«لنخطط الآن لعالم بلا نفط» من العبارات الشهيرة لوزير البيئة البريطاني الأسبق مايكل ميكر، حيثُ «يواجه العالم خيارًا صعبًا حيال مصادر الطاقة؛ إذ لا يُمكِنه مواصلة السَّير على درب الاستهلاك المتصاعد للنفط الَّذي يَسير عليه الآن، محاولًا الاستيلاء على ما هو متاح من إمدادات نفطيَّة متبقية بالقوَّة العسكريَّة إن لزم الأمر دُونَ تجنُّب الاستنزاف المُطَّرد للقوَّة العالميَّة على الإنتاج، أو أن يتحول إلى مصادر الطاقة المُتجدِّدة.
والملاحظ خلال الفترة من (2020 – 2026) أنَّ الخيار العسكري يتقدم بدرجة واضحة، ولكن عَبْرَ أساليب ملتوية مثل المحافظة على السَّلام، ومواجهة الأنظمة العسكريَّة الإرهابيَّة أو إعادة تنظيم الخريطة الأمنيَّة العالميَّة، خصوصًا بَيْنَ القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة الَّتي تحاول استغلال قوَّتها ونفوذها لإعادة توجيه إمدادات الطاقة إلى سيطرتها.
وقد أدَّتْ هذه النظرة لمستقبل الطاقة في العالم إلى إعادة صياغة العديد من المفاهيم والمخطَّطات الاقتصاديَّة والسياسيَّة للكثير من دول العالم، وخصوصًا الدول الكبرى والمستهلِكة منها، كان أهمّها التحوُّل إلى بناء تكتُّلات اقتصاديَّة وأسواق تجاريَّة ضخمة تعتمد على التبادل الاقتصادي والتجاري والصناعي «السُّوق المفتوحة»، وإيجاد توازنات طبيعيَّة لتغطية ذلك النَّقص في الطاقة، في محاولة منها لعدم الاعتماد على خيار البديل الأوحد لتغطية أسواقها «الهشَّة» أو الانسياق وراء الاعتماد على تلك الطاقة كبديل أحادي لتسيير اقتصادها، وعلى رأس تلك الدول الكبرى الاتِّحاد الأوروبي والولايات المُتَّحدة الأميركيَّة.
فعلى سبيل المثال، تعتمد الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة للحصول على طاقتها الصناعيَّة على أطراف خارجيَّة، أدَّى هذا الاعتماد والتبعيَّة إلى احتواء وتراجع القدرة والهيمنة الأميركيَّة وضعف سيادتها الاقتصاديَّة والسياسيَّة في كثير من الأماكن في العالم «فقَدْ كشفتْ إحدى هذه الدراسات ارتفاع نسبة التبعيَّة الأميركيَّة للنفط الأجنبي إلى ما يعادل (66%) عام 2020م، وتوقّع أن يتفاقم هذا المعدَّل لِيصلَ إلى أكثر من (80%) عام 2026م، كما يصل استهلاكها اليومي من النفط إلى (20,463,721) برميل يوميًّا.
في الاتِّجاه الآخر أدَّى وجود هذه الثروات الطبيعيَّة وتركُّزها لدى بعض الدول الصغيرة والنامية كدول الشرق الأوسط على وجْهِ الخصوص إلى بروز نشاطات خارجيَّة تكمن في تلك الأطماع الدوليَّة، وسعي العديد من الدول الكبرى للتدخل في شؤونها الداخليَّة؛ وذلك في محاولةٍ منها لاختراقها واحتواء قوَّتها المتركزة في ما تملكه من تلك الثروات الطبيعيَّة، ولدَيْها القدرة بها للسيطرة على أسواق التجارة العالميَّة والدوليَّة، وعلى رأس تلك الدول الَّتي برزتْ نشاطاتها في هذا الخصوص ـ منذ فترة طويلة وتحت مُسمَّيات لا حصر لها ـ الاتِّحاد السوفيتي السَّابق والولايات المُتَّحدة الأميركيَّة والدول الأوروبيَّة و»إسرائيل» والصين، كان ذلك في القارَّة الآسيويَّة أو الإفريقيَّة أو في بقعة من العالم.
فضلًا عن أنَّ للولايات المُتَّحدة الأميركيَّة وبشكلٍ خاصٍّ وسياستها التوسُّعيَّة والامبرياليَّة الدَّوْر الأكبر والأبرز بَيْنَ جلِّ تلك الأنشطة والتدخلات الدوليَّة رغم تأخُّر ظهور هذه الإمبراطوريَّة على مسرح السياسة العالميَّة حتَّى النِّصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقد كان هذا التطلُّع على أساس حماية حقوقها التجاريَّة ومصالح رعاياها.
وقد تغيَّر هذا المفهوم لصالح البحث عن بديل لنقصِ الطاقة لدَيْها؛ وبالتَّالي احتواء القدرة الآسيويَّة والعربيَّة خوفًا من إعادة واستغلال تلك الورقة (1973- حرب أكتوبر)، وهذا ما شاهدناه من خلال تدخل الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة في عدد من الدول الآسيويَّة كالعراق وأفغانستان وفنزويلا وإيران، على سبيل المثال.
وفي هذا السياق يقول مدير المخابرات الأميركيَّة الأسبق ويسلي: «إنَّ لدَيْنا مصالح حقيقيَّة في هذه المنطقة، وفي السيطرة على آبار النفط المنتشرة بأكبر مخزون استراتيجي في العالم فيها، ولقد اعتقدنا دومًا أنَّ معيار قوَّة أنظمة الشرق الأوسط تكمن في أنَّها تستطيع إن تمنع عنَّا النفط في الوقت الَّذي تريده كما حدَث في حرب أكتوبر 1973 وأنَّ الرسالة القويَّة والواضحة الَّتي سننقلها هي أنَّنا لن نسمحَ بمِثل هذه الأعمال مطلقًا، وأنَّ مَن يجرؤ على ارتكاب مثل هذه الأخطاء الاستراتيجيَّة في منع النفط عن أميركا لا بُدَّ أن يعاقب وبِدُونِ تردد، وأنَّ قوَّاتنا العسكريَّة ستكُونُ جاهزة للتحرك في أيِّ مكان في منطقة الشرق الأوسط».
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @