بعدَ كلِّ حربٍ تبدأُ جهودٌ كبيرةٌ لرصدِ وتحليلِ التطوُّرِ الَّذي يطرأُ على الأسلحةِ المستخدمةِ في تلك الحرب، وبِدُونِ شكٍّ برزتْ تطوُّراتٌ كثيرة، وليس تطوُّرًا واحدًا في ميدانِ الطائراتِ المُسيَّرة، سواءٌ في حربِ روسيا وأوكرانيا، والحربِ «الإسرائيليَّة» على غزّة، والحربِ في لبنان، وأخيرًا الحربِ الإيرانيَّة ـ الأميركيَّة ـ «الإسرائيليَّة».
وبِدُونِ شكٍّ فقَدْ خطفتِ الطائراتُ المُسيَّرةُ الأنظارَ في السنواتِ القليلةِ الماضية، وتصدَّرتْ ضرباتُها الأخبار، وفي كُلِّ يومٍ تظهرُ تقاريرُ ودراساتٌ لباحثين ومن مراكزِ أبحاثٍ حربيَّة، تتتبَّع نشاطَ هذا النَّوعِ من الطائرات، ويُؤشِّر الخبراءُ مستقبلَها وما ستؤدِّيه في الحروبِ الحاليَّة والمستقبليَّة.
الدولُ الأكثر إنفاقًا على سلاحِ الطائراتِ المُسيَّرة في منطقتنا تنحصرُ في دولتين هما تركيا و»إسرائيل»، حيثُ يُعلَن عن ميزانيَّاتٍ ضخمةٍ لصناعةِ أعدادٍ كبيرةٍ وأنواعٍ مختلفةٍ منها. ويرجِّح خبراءُ تصاعدَ الصراعاتِ الحربيَّة في هذه المنطقة، وتعدُّدَ اللاعبين الرئيسين والثانويين فيها.
وعلى المستوى الدولي، فإنَّ التسابقَ في أسلحةِ الطيرانِ المُسيَّر ينحصرُ بَيْنَ الولايات المُتَّحدة والصين. ومع استبعادِ دخولِ الصين في الحروب، وانحيازِها إلى الانشغالِ بتطويرِ تقنيَّاتها في مختلفِ الصُّعُد، والارتقاءِ بقوَّتها الاقتصاديَّة مع الحفاظِ على مكانتها العسكريَّة في ميزانِ القوى الدوليَّة، فإنَّ الولاياتِ المُتَّحدةَ تنهجُ طريقًا مغايرًا تمامًا، حيثُ سجَّلتْ حضورًا عسكريًّا واضحًا خلال السنواتِ الأخيرة.
فقَدْ زوَّدتْ «إسرائيلَ» بالكثيرِ من الأسلحة في حربها على غزَّة بعد السابع من أكتوبر، وواصلتْ تقديمَ الدَّعم، بما في ذلك الطائرات المُسيَّرة، ثم دخلتْ بصورةٍ مباشرةٍ في حربِ العام الماضي على إيران. في حين اتَّضح ثقلُها العسكري في الحربِ «الإسرائيليَّة» ـ الأميركيَّة ـ الإيرانيَّة نهاية فبراير الماضي من هذا العام 2026، وبرز دَوْر الطائرات المُسيَّرة على أوسعِ نطاق، سواء تلك الَّتي تنطلق من الجنوب اللبناني ورديفتها المنطلقة من إيران صوب «إسرائيل»، أو تلك الأميركيَّة و»الإسرائيليَّة» نَحْوَ إيران ولبنان.
يُمكِن معرفةُ خططِ بعضِ الدول بخصوصِ حروبِ المستقبل، لكن بالتأكيد ثمَّة جماعاتٌ ودولٌ أخرى لم يُكشَف عن خططها، الَّتي تعمل ـ رُبَّما ـ لخوضها. وغالبيَّة مثلِ هذه «الطموحات» تدفعُ إليها وتُفجِّرها سهولةُ الحصولِ على الطائراتِ المُسيَّرة أو تصنيعُها أو شراؤها من السُّوقِ العالميَّة، وبذلك تدخلُ البشريَّة في منعطفٍ غيرِ مسبوق، خصوصًا عندما يتوافرُ السلاح، والأخطرُ من ذلك سلاحٌ لا يحتاجُ إلى رجالٍ قد تُنهيهم آلةُ الحربِ التقليديَّة.
ما يُمكِن رصدُه أنَّ الإقبالَ على هذا السلاحِ يتزايد، وتتَّسع دوائره، ورغم انتشارِ أخبارٍ عن العملِ على تطويرِ دفاعاتٍ متطوِّرةٍ تتصدَّى له، إلَّا أنَّ مثلَ هذه الدفاعات قد تفيد ـ إلى حدٍّ ما ـ في الحروبِ الكبرى، ولن تكُونَ حاضرةً في صراعاتٍ مُسلَّحةٍ أقلَّ منها.
هل يُقبِل العالمُ على صراعاتٍ أوسعَ وأخطر؟
رُبَّما.
وليد الزبيدي
كاتب عراقي