الأحد 19 أبريل 2026 م - 1 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : تداعيات التطورات الإقليمية وارتفاع الأسعار .. دعوة لتعزيز الاستثمار فـي القطاع الزراعي

في العمق : تداعيات التطورات الإقليمية وارتفاع الأسعار .. دعوة لتعزيز الاستثمار فـي القطاع الزراعي
السبت - 18 أبريل 2026 06:30 ص

د.رجب بن علي العويسي

10

في ظل معطيات الأوضاع الراهنة في المنطقة، وما تشهده من تصعيدات عسكريَّة وتوترات متلاحقة، برزت تحدِّيات اقتصاديَّة متزايدة ألقَتْ بظلالها على مختلف دول المنطقة، ومن بَيْنِها سلطنة عُمان. فقد أسهمت هذه الظروف في ارتفاع ملحوظ في الأسعار، وتزايد معدَّلات التضخم، إلى جانب اضطراب سلاسل التوريد وانقطاع بعض خطوط الإمداد الحيويَّة، لا سِيَّما عَبْرَ مضيق هرمز ومضيق باب المندب، وهو ما أثَّر بشكل مباشر على تدفق السلع الأساسيَّة إلى الأسواق المحليَّة. وقد انعكست هذه التطورات على وفرة العديد من السلع الغذائيَّة والتموينيَّة، خصوصًا تلك القادمة من دول مجلس التعاون الخليجي وبلاد الشام ومصر وإيران، والَّتي تُمثِّل ركيزة أساسيَّة في تغذية السوق المحلِّي. ومع هذا الواقع، باتَ المواطن العُماني يواجه تحدِّيًا حقيقيًّا يتمثل في ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكيَّة، في وقت تتَّسم فيه الظروف الاقتصاديَّة بالتعقيد، نتيجة تراكمات ماليَّة واجتماعيَّة أثَّرت على قدرته الشرائيَّة.

ومن هنا، تبرز الحاجة الملحَّة إلى التعامل مع قضيَّة ارتفاع الأسعار عَبْرَ تكاتف الجهود المؤسَّسيَّة، وتَبنِّي سياسات فاعلة تسهم في الحدِّ من مسبِّبات الغلاء. ويشمل ذلك تعزيز دَوْر الجهات المعنيَّة، وفي مقدِّمتها هيئة حماية المستهلك ووزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، عَبْرَ تكثيف الرقابة على الأسواق، ومتابعة حركة الأسعار، والتصدِّي للممارسات غير المبررة. كما أنَّ تعزيز الشفافيَّة في السوق، وإلزام الموردين والتجار بسقوف سعريَّة عادلة تتناسب مع الواقع المعيشي، خطوة مهمَّة في استعادة التوازن، إلى جانب رفع مستوى الوعي الاستهلاكي لدى المُجتمع. عَبْرَ ترسيخ ثقافة الاستهلاك الرشيد، والتخطيط المسبق للمشتريات؛ لضمانِ الحدِّ من السلوكيَّات الاستهلاكيَّة غير المنضبطة، خصوصًا في المواسم الَّتي يرتفع فيها الطلب على السلع.

وفي موازاة هذه الإجراءات، تفرض المرحلة الراهنة ضرورة التفكير في حلول استراتيجيَّة طويلة المدى، تتجاوز المعالجات الآنيَّة، ومنها: فتح قنوات جديدة مع أسواق عالميَّة متعدِّدة، بما يقلِّل من تأثير الأزمات الإقليميَّة على السوق المحلِّي. كما أنَّ دعم المنتج الوطني وتعزيز حضوره في الأسواق يُمثِّلان خيارًا استراتيجيًّا لتقليل الاعتماد على الواردات. ومع أهميَّة هذه الإجراءات في تحقيق وفرة في السلع الغذائيَّة والمواد التموينيَّة، في ظل الاستفادة من الموقع الجغرافي لسلطنة عُمان في اقتصاد اللوجستيَّات ودعم فرص الاستيراد المباشر، واتصالها بمختلف الموانئ العالميَّة، وإتاحة فرص أكبر للاستفادة من خطوط الشحن الدوليَّة المباشرة إلى سلطنة عُمان، إلَّا أنَّها خطوة غير كافية في سبيل تعزيز الأمن الغذائي الوطني وترسيخ منظومة اقتصاديَّة وطنيَّة قادرة على أن يكُونَ لها حضورها الفاعل في اقتصاد الأزمات ومواجهة التحدِّيات بالاعتماد على الذَّات؛ لتقليل الاعتماد على السلع المستوردة وخصوصًا تلك القادمة عَبْرَ مضيق هرمز وميناء جبل علي، وتوفير بدائل أكثر استقرارًا في الأسعار.

إنَّ المرحلة الحاليَّة تُمثِّل فرصة حقيقيَّة لإعادة توجيه المسار الاقتصادي الوطني نَحْوَ تعزيز الاعتماد على الذَّات، والاستفادة من الموارد الطبيعيَّة المتاحة، وتحقيق الأمن الغذائي بالشكل الَّذي يَضْمن توفير مساحات أفضل يستشعر فيها المواطن مسؤوليَّاته في هذا الجانب، وإعادة هندسة الاقتصاد الوطني عَبْرَ وضع مسار التنويع الاقتصادي كأحد أهم الأجندة القادمة في العمل الوطني، ونقل هذا الملف من حيِّز التنظير والمشروعات المكلفة إلى الاستفادة من الأرض العُمانيَّة والاستثمار في الزراعة بشكل أفضل، وبما يوفِّر فرصًا إنتاجيَّة قادمة تضع هذا القِطاع في قائمة أولويَّات الإنتاج الوطني؛ باعتبارها موجّهات تحفظ ديمومة الإنتاج واستقرار الأداء الاقتصادي وكفاءته، وتُعزِّز من جهود التطوير واستمراريَّتها وثقة المواطن فيما تنتجه المنظومات الاقتصاديَّة المختلفة. ويأتي ذلك من خلال تطوير القِطاع الزراعي، وتحسين كفاءته الإنتاجيَّة، وتوسيع نطاق الاستثمار فيه، بما يَضْمن توفير منتجات غذائيَّة محليَّة قادرة على تغطية جزء أكبر من احتياجات السوق.

وتبقى العودة الجادَّة لهذا القِطاع، وفق ظروف المرحلة ومعطياتها ومستجدَّاتها، واختيار وتحديد الأولويَّات المرتبطة بالاحتياج المحلِّي والاهتمام العالمي، وتوفير البيئة الزراعيَّة الداعمة لتحقيق منتج غذائي ذي جودة عالية تتوافر فيه كُلُّ المواصفات والشروط، عنوان المرحلة القادمة في المنظور العُماني للتنويع الاقتصادي. ومن هذا المنطلق، فإنَّ توجيه الاهتمام نَحْوَ زراعة المحاصيل الغذائيَّة الأساسيَّة، مثل الخضراوات والفواكه، ينبغي أن يحظى بأولويَّة أكبر، مع مراعاة احتياجات السوق المحلِّي والتغيُّرات في أنماط الاستهلاك، وعَبْرَ إعطاء المنتجات الزراعيَّة حضورًا واسعًا في الأنشطة الزراعيَّة من حيثُ زيادة إجمالي المساحة المزروعة منها. كما تشير التحوُّلات الحاصلة في المنتج الغذائي وإحصائيَّات التوريد والاستهلاك المحلِّي إلى الحاجة إلى إعطاء بعض المنتجات الزراعيَّة، كالخضراوات بمختلف أنواعها والحمضيَّات وبعض أصناف الفواكه، أولويَّة تفوق غيرها من المنتجات الزراعيَّة، خصوصًا في ظلِّ ما تشير إليه من إمكانيَّة التوسع فيها وتحقيق وفرة إنتاجيَّة في الأسواق المحليَّة.

كما أنَّ إدخال التقنيَّات الحديثة، بما في ذلك أنظمة الري المتطورة والذكاء الاصطناعي، يُمكِن أن يسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتحسين جودة المنتجات الزراعيَّة. ولعلَّ مدخل القوَّة الَّذي يصنع لهذا القِطاع أهميَّته هو توجُّه الحكومة نَحْوَ توظيف التقنيَّة والذكاء الاصطناعي وغيرها من التقنيَّات الحديثة في إدارة هذا القِطاع، وإعادة إنتاجه بطريقة تتناغم مع طبيعة الظروف، وتتجاوب مع الفرص الإيجابيَّة الَّتي تتمتع بها السَّلطنة، والتجارب السابقة الَّتي أعطت مؤشِّرات إيجابيَّة لنُموِّ هذا القطاع إن تحقق لها المزيد من الاهتمام والمتابعة، وأُعطي مساحة أوسع في سلَّة التنويع الاقتصادي القادم، وتوفِّر له الدعم المناسب للمزارعين، وأُعطي المواطن فيه مساحة أوسع لتحقيق الاستثمار الزراعي النوعي في زراعة المحاصيل ذات الاستخدام البشري.

ولا يقتصر تطوير هذا القِطاع على الجهود الحكوميَّة فقط، بل يتطلب شراكة فاعلة مع القِطاع الخاص والمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، من خلال توفير الحوافز والدعم اللازمين، وتشجيع الاستثمار الزراعي النوعي. كما أنَّ تعزيز دَوْر مراكز البحوث الزراعيَّة والجامعات يُمثِّل عنصرًا مهمًّا في تطوير حلول مبتكرة تسهم في تحقيق الاستدامة. وبالتالي، تعظيم دَوْر القِطاع الخاص والمؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، وزيادة الحوافز وأنظمة الدَّعم المقدَّمة للمزارعين، وتنشيط دَوْر مراكز البحوث الزراعيَّة والجامعات والمؤسَّسات التعليميَّة ذات العلاقة، يسهم في توفير الظروف المناسبة، وعَبْرَ انتهاج مبادرات أكثر ابتكارًا واستدامة تَضْمن المحافظة على كفاءة استخدام الأراضي الزراعيَّة والاستثمار الواعي لها في مختلف مراحل الإنتاج، من خلال تقوية ممكنات الدعم المالي واللوجستي الَّتي تتيح للمواطن فرص شراء وتركيب واستخدام الأدوات الحديثة في الري والتسميد وتأهيل الأرض الزراعيَّة وتسويق المنتج، وشراء الميكنة الزراعيَّة المتطورة وأنظمة الري الحديثة. كما يشمل ذلك تطوير وتقنين نظام وطني فاعل لتحسين عمليَّات التسويق الزراعي للمنتجات الوطنيَّة، من خلال تطوير قنوات التوزيع، وتوفير مرافق التخزين والتبريد، وفتح منافذ بيع في مختلف المحافظات، بما يَضْمن وصول المنتجات إلى المستهلك بجودة عالية وأسعار مناسبة. كما أنَّ دعم المزارعين في استخدام التقنيَّات الحديثة، وتسهيل حصولهم على التمويل، يسهم في رفع كفاءة الإنتاج وتعزيز التنافسيَّة. فإنَّ تحقيق أمن غذائي مستدام يتطلب رؤية متكاملة تشمل مختلف مراحل الإنتاج والتوزيع، مع التركيز على الاستخدام الأمثل للموارد، وتقليل الفاقد، وتعزيز القِيمة المضافة للمنتجات الزراعيَّة. كما أنَّ التوجُّه نَحْوَ الصناعات المرتبطة بالمنتج الزراعي يُمثِّل خطوةً مهمَّة في دعم الاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل جديدة. من هنا، تصبح هذه الأزمات والأحداث والمعطيات محطَّة مهمَّة في مَسيرة اقتصاديَّة قادمة تُحقق مستهدفات رؤية «عُمان 2040» في تحقيق التنويع الاقتصادي وتوفير اقتصاد وطني مستدام، تَضْمن إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني بالشكل الَّذي يضع مُكوِّنات الإنتاج الرئيسة فيه، الصناعيَّة والتجاريَّة والزراعيَّة، حاضرة، ويَضْمن بناء توازنات اقتصاديَّة تعيد إنتاج وإدارة كفؤة للقِطاع الزراعي، وتحديد أولويَّاته وتوجيه تفاصيله لتحقيق منتج غذائي وطني، بما يعني الحاجة إلى إعادة تحديد أولويَّات هذا القِطاع والأنشطة الزراعيَّة ذات الاحتياج، بشكل يتجاوب مع طبيعة المنتج الَّذي يحتاجه الوطن، والاتجاه نَحْوَ التخصصيَّة في بعض المنتجات ذات الإقبال العالمي، بما يتطلب صناعات مرتبطة بالمنتج الزراعي، وتوفير أنشطة التبريد والشحن والنقل والتخزين، والاستفادة من الفاقد الناتج من الأغذية وإعادة تدويره، بما يعني نقلة نوعيَّة تعيد منظومة الأمن الغذائي الزراعي من جديد، في ظلِّ أنظمة عمل متجددة تمنح القوَّة لهذه المنظومة، مستفيدة من أفضل الممارسات العالميَّة، ومن دَوْر التقنيَّة المتقدمة والتكنولوجيا الحديثة وتقنيَّات الذكاء الاصطناعي في توليد حلول لنهضة واعدة للقِطاع الزراعي، مستفيدة من الفرص المتجدِّدة والتحوُّلات الَّتي أسهمت في تعزيز الاهتمام بهذا القِطاع. أخيرًا، يبقى السؤال المطروح: هل ستتَّجه الحكومة ـ في ظلِّ استمرار التصعيد ـ إلى تَبنِّي سياسات استثماريَّة واسعة لتمكين القِطاع الزراعي وتعظيم أثَره، وحضوره العميق في منظومة الأمن الغذائي، ويجعله ركيزة أساسيَّة في مسار التنويع الاقتصادي خلال المرحلة القادمة؟

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]