الأمراض الجسديَّة الطبيعيَّة من حيثُ خصائصها ودرجة شراستها وأنواعها المتعدِّدة المعروفة منها والمجهولة الَّتي تصيب الإنسان في أجزاء وأعضاء معيَّنة من جسمه الواسع والمعقَّد، تتطلب تشخيصًا سريعًا، بارعًا ودقيقًا، وعلاجًا ناجعًا كشرط أساسٍ للتعافي والشفاء، والقدرة بعد ذلك على مزاولة الحياة الطبيعيَّة دون عائق من مرض وأوجاع وعجز ناتج عنها، وشعور الإنسان بالعلَّة المتمثلة في الألم والوهن والقصور في جزء ما، من أجزاء جسمه أو تغيير في المزاج والطبيعة... هي أسباب ودوافع تكفي لِكَيْ يهبَّ سريعًا إلى زيارة الطبيب طمعًا في الشفاء وأملًا في التمتع بالصحَّة الَّتي تلوِّن الحياة بألوان زاهية تضفي على المرء الفرح والسعادة، والشعور الإيجابي المحفِّز على العمل والإبداع، والتمتع بمباهج الدنيا الكثيرة؛ كون أنَّ العلَّة الَّتي تصيبه تفقده كُلَّ طعم أو معنى أو قِيمة للحياة حتَّى ترجع له عافيته فتعود المُتع الدنيويَّة المباحة إلى طبيعتها المستشعرة في النفْس جمالًا وتلذذًا وسرورًا، فالعافية كنز الإنسان في الحياة ومنبع حسنها ومفاتنها الَّتي لا تحصى... والأمراض العضويَّة الَّتي تصيب الجسم ليست هي النوع الوحيد الَّذي يستهدف الإنسان ويعكر صفوه، فهناك في حقيقة الأمر أمراض أخرى، يُمكِن أن نضعها في قائمة غير المفهوم وغير المحسوس وغير الواضح وغير المعترف بها، وهنا تكمن خطورتها، يبتلى بها ـ أي الإنسان ـ في تفكيره وسلوكه، فتقودهما إلى الانحراف والفساد، وتغشى طباعه فتخرجها عن الفطرة والخلقة الإنسانيَّة المستأنسة والمألوفة في التعامل مع مختلف الأطراف والمكوِّنات والعناصر الَّتي تُعَدُّ جزءًا أساسًا من منظومتها، بشرًا وطيرًا وحيوانًا وجمادًا وبيئةً... والَّتي تميّز الإنسان؛ كونه حامل مفاتيح الأمانة والمتعهد بالحفاظ على جَمال وتوازن بيئته كما عهد إليه، المتمسك ـ كما يفترض ـ بالمبادئ والمُثل السَّامية، وإظهار الرُّقي في تعامله وسلوكه، وتوظيف واستثمار العقل في ترسيخ تلك المبادئ والعمل بها واقعًا ملموسًا يتطابق مع التنظير، كالصدق والأمانة والرحمة وحُسن الاستخدام والشعور الإنساني الراقي، والحكمة وتقدير الآخر واحترام آرائه وملاحظاته... لِكَيْ تعيشَ المُجتمعات في طمأنينة وسلام وأمن واستقرار، في بيئة مثاليَّة مزدهرة بالحُب والوئام والجَمال والكرامة الإنسانيَّة، وتساوي الحقوق بَيْنَ أفرادها وتقدير الإبداع... فليحلِّق كُلٌّ منَّا بخياله متصورًا وراسمًا بيئة صحيَّة يعيشها مع أُسرته وأصدقائه وجيرانه وزملائه على هذا القدر من الرُّقي والسُّمو والرِّفعة والفضيلة؟ أليس هذا هو منتهى ما يتمنَّاه ويحلم به كُلُّ إنسان على الأرض الَّتي أراد ربُّ العزَّة صلاحها وترسيخ العدالة والمساواة فيها، فعبَث بها الإنسان ونشر فيها الخراب ودمَّرها بأمراضه النفسيَّة وعِلله الَّتي أصابت سلوكه فسمَّمت تفكيره وأعمَتْ بصره عن الحقيقة، وجرفته إلى مسارات محفوفة بالشراك والمنزلقات، لا يفرق فيها المرء بَيْنَ الغفلة واليقظة، تكُونُ فيها طباعه موغلة في القسوة والشراسة والخشونة والفظاظة، ينفر منها كُلُّ صاحب ذوق سليم، ويجفل منها عامَّة الناس الَّذين يحبون العيش في محيطهم بسلام وهدوء، مبتعدين ما أمكنهم عن مرضى السلوك، المنغمسين في برك راكدة نتنة، تفيض بتصرفات وأفعال تطفو في عوالم قذرة تشكَّلت من سوء الخلق والحمق والكذب والنميمة والنفاق، واستغفال الآخر والسرقة والتعصب الأعمى للذَّات، واستحواذ ما يُحقق مصلحتها على ما عداها... والخطورة ليست في علَّة المرض وأثَره على استقرار المُجتمعات وما يفيض به من شرور، وإنَّما ما يعتري ويترسخ ويعلق في عقل هؤلاء المرضى من تصوُّر ومكابرة وقناعة ـ كُلَّما اختلفوا واصطدموا بغيرهم، وكُلَّما وجّهت إليهم النصائح وأجريت معهم الحوارات والمناقشات ـ بأنَّهم على صواب وحق وهدي من أمرهم، والآخرون هم المخطئون ولا يقبلون بغير ذلك ولا يحيدون عن زلاتهم وأخطائهم وانحرافاتهم قيد أنملة، ما يعني أنَّ مرضهم السلوكي وانحرافاتهم الخلقيَّة صعبة التشخيص والعلاج على عكس الأمراض الجسديَّة الأخرى، فالفرق بَيْنَ المرضين يكمن في اعتراف الإنسان بالمرض العضوي فور شعوره به، فيسرع للعلاج من تأثيره، أمَّا العلَّة الَّتي تصيب السلوك فلا أمل في الاعتراف بها عند الغالبيَّة ممَّن تصيبهم، مهما كانت الحيثيَّات والأمثلة المعبَّأة بالقرائن والأدلَّة والحجج، وأيًّا كانت تأثيراتها على السلوك المنحرف، وانعكاساتها الخطيرة على الأطراف والكائنات الَّتي يتعامل معها المصاب. ولكن، وفي المقابل، علينا أن نعترف حقيقة وأن نعي بأنَّ الطبيعة الإنسانيَّة في عمومها، تعتريها نواقص وعيوب ومثالب كثيرة، وتواجهها ظروف وتحدِّيات قاهرة وخطيرة، تُحدث تحوُّلات وأعطابًا فيها، فيكُونُ الإنسان مهيَّأ وقابلًا بأن يرتكب الأخطاء والعثرات والزلَّات والهفوات، ويمارس العنف والظلم، ويؤتي أشكالًا من أنواع الفساد والتناقضات في تعاملاته وسلوكيَّاته وأنشطته وقراراته اليوميَّة... كما أنَّ العوامل والأسباب المرتبطة بالجهل ونقص المعرفة، وسوء التقدير والجينات الوراثيَّة والتربية الفاسدة... تفسد السلوك الإنساني وتوقع البشر في المحظور والأخطاء المدمِّرة، ويُمكِن الحدُّ منها والتخفيف من انعكاساتها، بالمراجعة والتقييم والتهذيب والإصلاح، واستثمار التجارب والخبرات والدروس والاعتياد على تقبُّل النقد والإصغاء إلى ملاحظات الآخرين... وفي رحلة الحياة، وخضم النشاط وتشابك العلاقات مع البشر، في العمل والحارة والمسجد والتعاملات اليوميَّة، مع الأصدقاء والزملاء والمسؤولين، في الحوارات الشخصيَّة والمجالس الخاصَّة واللقاءات الفرديَّة، مقابل أحاديث الإعلام والاجتماعات الرسميَّة والتعامل مع المسؤولين، تتكشف للمراقب والمتابع والمشارك تناقض المواقف واختلاف القناعات، والتحوُّلات الَّتي تطرأ على محتوى التصريحات والمعاني والكلمات، مشاهد وصور تأخذ منحى التنافر والتضاد، تجعل القريب من الأحداث، بعيدًا قصيًّا في تفكيره وأسئلته واستغراباته، يبحث عن تفسير وإجابات لا تقوده إلَّا إلى طريق مسدود، يقلب المواقف ويستعرض صورها وألوانها، متأملًا في العديد منها والَّتي نصطدم بها في دروب الحياة ودَوْرتها الزمنيَّة، أي تلك الَّتي تشكِّل تناقضًا عجيبًا لا يُمكِن فهمه، بَيْنَ الكم الهائل من الأقوال والتنظيرات الَّتي تفيض مُثلًا ووطنيَّة وغيرة، وتعبيرًا ـ بالحكي والكلام طبعًا ـ على العمل والتفاني في خدمة الوطن والمواطن والقضيَّة والموضوع والملف... وبَيْنَ السلوك أو الفعل المعاكس تمامًا والَّذي لا يمُتُّ بِصِلَة إلى الأقوال الخادعة الَّتي يغتر بها الكثيرون، قبل أن تتكشف لهم الحقائق المخيِّبة للآمال فيتبَيَّنون البون الشاسع والتناقض العميق بَيْنَ التنظير والتنفيذ، الشعارات الزائفة والتطبيق... بَيْنَ المعرفة في مفهومها الشامل في نموذج آخر، واقتناء الكتب بمختلف فروعها وأصولها، وتخصيص حيِّز كبير من الوقت للقراءة والاطلاع والبحث، وطباع فظة في السلوك، لم يتمكن الكتاب من تليينها وتطويعها، وتعامل فيه الكثير من النفاق والعجرفة وخلو الأخلاق، يسيء إلى تلك اللآلئ المقتبسة الَّتي يتفاخر بها أمام مسامع الآخرين من حَوْله، لم تتمكن المعرفة من ترويضه، حيثُ يشعر المرء بالغيرة على الثقافة الشاملة والمعرفة الواسعة عندما تجتمعان في نفْس قاحلة ذات تربة فاسدة، تفشل في تحويلها إلى بستان مزدهر بالزهور والورود... فيتساءل عن الجدوى من المعرفة إذا كانت غير قادرة على إصلاح تلك النفس؟ وفي نموذج ثالث، عن التناقض الواضح بَيْنَ الالتزام الدقيق بالواجبات والفرائض والشعائر الدينيَّة، من عبادات وقراءة القرآن والصلاة جماعة... دون أن يصحبها التزام بتحسين السلوك العام، وحُسن المعاملة، والتمسُّك بقِيَم الفضيلة والأمانة والصِّدق والاعتراف بإنسانيَّة الآخرين وقَبول الاختلافات الفرديَّة... في تغافل مستغرب وتناقض يثير الحيرة لقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) «إنَّما الدِّين المعاملة».
أوَليس اجتماع المتناقضات في نفْس واحدة وعلى هذا النَّحْو، علَّة تستوجب التشخيص والعلاج؟
سعود بن علي الحارثي