كِتاب The Revenge of Power: How Autocrats are Reinventing Politics in the 21st Century للمؤلف موسيس نعيم (انتقام السُّلطة: كيف يعيد المستبدون ابتكار السياسة في القرن الحادي والعشرين) يفحص الآليَّة والكيفيَّة الَّتي يستخدم بها بعض القادة الوسائل الديمقراطيَّة لتطبيق أجنداتهم وتوجُّهاتهم. الفكرة من الطرح هي لشرح وتوصيف نوع جديد من القادة لديهم أدواتهم المشتركة والَّتي تشمل المال، التكنولوجيا، الأيديولوجيا، الإقناع الأخلاقي، والدعاية لخدمة مصالحهم. وهذه الاستراتيجيَّات تظهر مرارًا وتكرارًا في أماكن وثقافات متباينة.
بهذا المعنى، السؤال المطروح هو: إلى أيِّ حد تستطيع الديمقراطيَّة أن تصمد أمام إعادة تشكيلها من الداخل؟ فالمعضلة في كثير من التجارب المعاصرة أنَّه يتم إفراغ النظام الديمقراطي من محتواه، مع الإبقاء على الانتخابات والمؤسَّسات واللُّغة الدستوريَّة، بَيْنَما يجري نقل مركز الثقل الحقيقي إلى قيادة شخصيَّة أكثر تركّزًا وأقل خضوعًا للضبط والمساءلة.
ينطلق نعيم من أنَّ هؤلاء القادة الجُدد لا يعملون بالأدوات التقليديَّة وحدها، فهم يوظفون ثلاثيَّة متداخلة: الأولى شعبويَّة تعيد تقسيم (الشَّعب) إلى شَعب نقي يُمثِّل الحقَّ مقابل خصوم فاسدين أو خونة. وبهذا يجعل نفسه المتحدث الوحيد باسم الشَّعب، أمَّا الثانية فهي عمليَّة الاستقطاب من خلال تحويل أي اختلاف سياسي عادي إلى صراع حادٍّ، ويجرِّده من وصف (اختلاف رأي) إلى (نحن ضدهم)، وهذا يجعل الناس تنحاز بقوَّة وتفقد القدرة على التفاهم، أمَّا الثالثة فهي بيئة (ما بعد الحقيقة) ويحدُث خلالها إغراق الوسط العام بالمعلومات المتناقضة أو المضللة، بحيثُ يحتار الناس ولا يعرفون ما هو الصحيح، فيصبح من السهل توجيههم عاطفيًّا بدلًا من إقناعهم منطقيًّا وهي أساليب وصول تتوافق مع البيئة السياسيَّة والإعلاميَّة والتقنيَّة في القرن الحادي والعشرين.
تبدو أفكار موسيس نعيم عن الشعبويَّة والاستقطاب وما بعد الحقيقة شديدة الصلة ببعض أدبيَّات الحياة السياسيَّة الراهنة. فالقائد الَّذي يصل عَبْرَ وسائل تبدو ديمقراطيَّة يستطيع ـ عَبْرَ الاستثمار في الانقسام والكراهية وفوضى المعلومات ـ أن يخلق بيئة سياسيَّة تسمح له بتحويل التفويض الانتخابي إلى سُلطة غير محدودة من خلال إغراق المجال العام بوابل من السرديَّات المتناقضة؛ لِكَيْ تُقنع المواطن بانتخابه.
وإذا كان هذا الإطار يبدو نظريًّا، فإنَّ إسقاطه على بعض الديمقراطيَّات الكبرى يكشف أنَّه أقرب إلى آليَّة عمل سياسيَّة معاصرة. الهند هنا مثال مُعايش، حيثُ قدَّمت الانتخابات العامَّة الأخيرة مثالًا مهمًّا على تزاوج الهُوِيَّة السياسيَّة مع البيئة الرقميَّة ودَوْرها في كيفيَّة تسخير الأدوات الديمقراطيَّة ضمن مناخ سياسي شديد الاستقطاب، فقد أُستخدم في الانتخابات الخِطاب القومي الدِّيني، والتعبئة حَوْلَ الهُوِيَّة، واستخدام البيئة الرقميَّة في إعادة ترتيب الأولويَّات والمخاوف. كُلُّ هذه العناصر حوَّلت الخصم السياسي إلى خصم حضاري أو دِيني أو وطني. ولقد وثَّقت وكالات الأنباء أنَّه خلال انتخابات 2024 كانت وسائل التواصل الاجتماعي هي (الساحة الرئيسة) للمنافسة، حيثُ تم إعادة تشكيل قناعات الناخبين ليصبحَ أكثر قابليَّة للتوجيه على أُسُس هُوِيَّاتيَّة وعاطفيَّة.
وتحليلًا لطرحِه، تُشير المتابعات إلى أنَّه (في بلد تكُونُ فيه الهندوسيَّة السياسيَّة قويَّة)، أضرَّت مزاعم ومعلومات تم توليدها ثم إغراقها في وسائل التواصل الاجتماعي من خلال حملة مُبرمجة قادها مناصرو الحزب الحاكم لتعبئة الناخبين حَوْلَ هُوِيَّتهم الدينيَّة من خلال تصوير المعارضة، على أنَّه مؤيِّد لباكستان وغير هندوسي بما يكفي. وقد أسْهَمت هذه الحملة في تشكيل البيئة الانتخابيَّة وعززت الاستقطاب والتعبئة الهُوِيَّاتيَّة؛ ممَّا أسْهَم في نجاح الحزب الحاكم.
الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة، تقدِّم المثال الأكثر دلالة على أنَّ المؤسَّسات العريقة لا تعصم النظام تلقائيًّا من هذا المسار. فقد وثَّقت «رويترز» في الذكرى السنويَّة الأولى لاقتحام الكابيتول أنَّ دونالد ترامب واصل ترديد مزاعم (شُكك في مصداقيَّتها) عن تزوير واسع في انتخابات 2020 رغم رفض المحاكم والسُّلطات الانتخابيَّة لتلك الادعاءات، كما نقلتْ قبل ذلك عن النائبة الجمهوريَّة ليز تشيني قولها إنَّ هذه المزاعم (تُسمم) النظام الديمقراطي الأميركي. أهميَّة المثال الأميركي للتوضيح أنَّه عندما يصل الشَّك في أصلِ العمليَّة الديمقراطيَّة إلى هذا المستوى، فإنَّ الديمقراطيَّة تبقى قائمة شكليًّا، لكن الثقة العامَّة الَّتي تَضْمن عملها تتعرض لتآكل خطير. ولا يعني وضع الهند والولايات المُتَّحدة في سياق واحد أنَّها حالات متطابقة أو أنَّ مآلاتها واحدة. الفروق بَيْنَ هذه الدول عميقة، وكذلك الفروق بَيْنَ أنظمتها الدستوريَّة وبيئاتها الاجتماعيَّة. لكنَّ الجامع بَيْنَها، في ضوء أطروحة نعيم، هو أنَّ الصراع يتمحور حَوْلَ قواعد الحكم: مَن يعرّف الشَّعب؟ مَن يحدِّد مَن هو العدوُّ الداخلي؟ ومَن يملك حق تقرير ما إذا كانت الحقيقة ثابتة أم قابلة لإعادة التصنيع اليومي؟ من هنا، فإنَّ قِيمة كِتاب انتقام السُّلطة يكمن في كونه يقدِّم وصفًا أخلاقيًّا لمستخدمي هذه الوسائل، ويمنح الصحافة والباحثين إطارًا لفهمِ الكيفيَّة الَّتي تُعاد بها هندسة السياسة في عصر المنصَّات والبيانات والاستقطاب. فالمسألة هي عمليَّة إعادة تشكيل للديمقراطيَّة عَبْرَ إعادة تصميمها باستخدام وسائل مختلفة وهي على الأرجح، أخطر صوَر الاستبداد المعاصر.
المنتصر بن زهران الرقيشي
كاتب عُماني ـ الاتصالات الدوليَّة والعلوم السياســـــيَّة
مدرب متعاون في تنميَّة مهارات المدربَيْنَ (TOT)
@mumtaserzr