في توقيت حرج من مسار الحرب في السودان، جاء مؤتمر برلين 2026 محملًا بتوقعات من مؤيديه تجاوزت طبيعته الفعليَّة، وموصوفًا باتهامات من معارضيه قلَّلت من أهميَّته قبل انعقاده.
وقد كان يأمل المراقبون بأن يتمَّ بناء أجندة المؤتمر على أُسُس تقود بشكل مباشر إلى نقطة تحوُّل تؤدي إلى تسوية سياسيَّة، غير أنَّ المحصلة النهائيَّة للمؤتمر جاءت بصورة غير مغايرة لأسلوب إدارة الأزمة السودانيَّة الَّذي ظل المُجتمع الدولي يمارسه مع الأزمة منذ تفجرها قبل ثلاث سنوات. فوصف المراقبون تلك المحصلة بأنَّها أقرب إلى محطَّة جديدة في مسلسل إهدار فرص الحل لهذه الأزمة الَّتي أنهكت الشَّعب السوداني.
ورغم أنَّ المؤتمر حظي بحضور دولي إقليمي واسع متعدِّد الأطراف ضمَّ الأُمم المُتَّحدة والاتِّحاد الأوروبي والاتِّحاد الإفريقي و»إيغاد»، غير أنَّ هذا الزخم الدبلوماسي لم تتم ترجمته إلى تأثير فعلي على مسار الأزمة، بل أعاد إنتاج مقاربة قائمة على تنسيق المواقف الدوليَّة دون القدرة على إحداث اختراق حقيقي للأزمة.
وفيما شهد المؤتمر حضورًا لافتًا للقوى المدنيَّة السودانيَّة الَّتي أصدرت وثيقة مشتركة تضمنت دعوات لوقف الحرب وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات وإلى إطلاق عمليَّة سياسيَّة شاملة تقود إلى انتقال ديمقراطي، إلَّا أنَّ عدم دعوة الأطراف العسكريَّة الرئيسة وهي الجيش السوداني وقوات الدعم السريع أفرغ الوثيقة والمؤتمر من مضمونهما العملي، وأدَّى بالنتيجة إلى تضييع فرص الوصل إلى حلول قريبة ناجعة لهذه الأزمة.
لقد تناسى المنظِّمون حقيقة أنَّ الحروب الَّتي يستخدم فيها السلاح الناري لا تنتهي بالبيانات السياسيَّة، بل عَبْرَ تفاهمات بَيْنَ مَن يرفعون السلاح في وجه بعضهم البعض، فهم مَن يملكون قرار إطلاق النار، سواء كان الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع، لذلك بدا المؤتمر وكأنَّه يناقش مستقبل السودان دون حضور مَن يحددون واقعه الميداني، ممَّا يجعل من الوثيقة الَّتي توصلت إليها القوى المدنيَّة رغم أهميَّتها الرمزيَّة تظل بلا أدوات تنفيذ وأقرب إلى إعلان نيَّات منها إلى إطار قابل للتطبيق.
ورغم أنَّ المؤتمر سعى لتوحيد المسارات الدوليَّة المتعدِّدة وإلى إعادة إدراج الملف السوداني ضِمن أولويَّات المُجتمع الدولي، لكنَّه نوع من السَّعي لم يَقُد إلى معالجة جوهر الأزمة، بل أعاد ترتيب إدارتها ضمن توازنات دوليَّة معقَّدة وتضارب مصالح دوليَّة وإقليميَّة ظلَّت العامل الأكثر تأثيرًا في مسارات الأزمة.
فالولايات المُتَّحدة تنظر إلى السودان من زاوية أمن البحر الأحمر ومنافسة القوى الكبرى، بَيْنَما تسعى روسيا إلى تثبيت موطئ قدَم استراتيجي بالبحر الأحمر أيضًا، فيما تتبنى الصين نهجًا براجماتيًّا يركز على حماية استثماراتها، وتتحرك مصر بدافع الحفاظ على مؤسَّسات الدولة السودانيَّة، وبالتالي ضمان استقرار حدودها، في حين تنخرط أطراف أخرى وفق حسابات النفوذ والموارد.
وفي ظل هذه التشابكات، وبسبب غياب الأطراف المتحاربة، افتقر المؤتمر إلى أدوات الضغط الحقيقيَّة الَّتي كان بإمكانها تحقيق اختراق جوهري واستثمار للحظة السياسيَّة لإيجاد مسار جادٍّ نَحْوَ السلام والحل الفعلي والعملي (وذلك في حال الجمع بَيْنَ المدنيين والعسكريين والقوى الدوليَّة الفاعلة على طاولة واحدة)، غير أنَّ عدم حدوث تلك الخطوة جعل من نتائج المؤتمر تبدو وكأنَّها تأجيل غير مباشر للحلِّ عَبْرَ ترحيله إلى مسارات تفاوضيَّة لاحقة لم تتشكلْ بعد، وبالتالي إطالة للأزمة عَبْرَ الاكتفاء بإدارتها.
وعليه، لم يكُنِ المؤتمر نقطة بداية واضحة لحلِّ الأزمة، بل حلقة جديدة في سلسلة فرص مهدرة. وحتَّى تتغيَّر هذه المعادلة سيظل أيُّ جهد دولي عرضة للتكرار ما لم ينطلق من حقيقة أساسيَّة مفادها بأنَّ أيَّ حرب لا يتوقع الوصول إلى حلول بشأنها دون إشراك مَن يخوضونها في البحث عن تلك الحلول، كما يصعب استقرار الحلول دون توافق داخلي ودولي يتجاوز حسابات النفوذ والمصالح إلى أولويَّة الاستقرار... «والله المستعان».
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»