الأحد 19 أبريل 2026 م - 1 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : اقتصاد متوازن فـي عالم مضطرب

السبت - 18 أبريل 2026 03:12 م

رأي الوطن

10


يتشكل المشهد الاقتصادي في الوقت الحالي على إيقاع متباين بَيْنَ عالم يتباطأ تحت ضغط التوتُّرات وتداخُل المصالح، واقتصاد عُماني يحافظ على مسار نُموٍّ متوازن يعكس قدرة على إدارة التعقيد بكفاءة، حيثُ تكشف الأرقام عن فجوة لافتة بَيْنَ نُمو عالمي يتراجع إلى (3.1) بالمئة وتضخُّم يواصل الارتفاع عند (4.4) بالمئة، مقابل اقتصاد محلِّي يُحقِّق نُموًّا عند (3.5) بالمئة مع تضخُّم منخفض في حدود (1.7) بالمئة، في صورة لا يُمكِن قراءتها كمصادفة رقميَّة، بقدر ما تعكس اختلافًا في منهج الإدارة. فبَيْنَما تتأثر اقتصادات كبرى بثقل الديون واضطراب سلاسل الإمداد وتداخل القرار الاقتصادي مع الحسابات السياسيَّة، يتحرك الاقتصاد الوطني وفْقَ مسار أكثر انضباطًا قائمًا على تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الأنشطة غير النفطيَّة وإدارة ماليَّة حذرة، وهو ما يمنحه قدرة أعلى على امتصاص الصَّدمات وتحويل التقلُّبات إلى مساحة للحفاظ على الاستقرار.

وتكشف القراءة المتأنِّية للتقديرات الدوليَّة عن صورة أكثر عمقًا للاقتصاد العُماني، فحسب تقرير صندوق النقد تراجعتْ مستويات الدَّيْن العام إلى حدود (33) بالمئة من الناتج المحلِّي الإجمالي بالتوازي مع تسجيل فائض في الحساب الجاري عند (7.5) بالمئة، وهي مؤشِّرات لا تعكس تحسُّنًا ماليًّا بقدر ما تُشير إلى بنية اقتصاديَّة بدأتْ تكتسب صلابة حقيقيَّة تتشكل عَبْرَ تراكُم سياسات ماليَّة منضبطة وإدارة واعية للموارد؛ إذ يمنح هذا التوازن المالي مساحة أوسع لاتِّخاذ القرار الاقتصادي دُونَ ضغوط ويحدُّ من التعرض لتقلُّبات الأسواق العالميَّة، ويُعزِّز من قدرة الاقتصاد على امتصاص الصَّدمات الخارجيَّة دُونَ التأثير على مسار النُّمو، كما يفتح المجال أمام توجيه الفوائض نَحْوَ استثمارات استراتيجيَّة تُعزِّز من تنويع القاعدة الإنتاجيَّة، ويكشف كذلك عن تحسُّن جودة الإيرادات واستدامتها، حيثُ لم تَعُدْ مرتبطة بعوائد الطاقة بقدر ما تعكس توسعًا تدريجيًّا في الأنشطة غير النفطيَّة، وهو ما يرفع من جاذبيَّة الاقتصاد العُماني أمام رؤوس الأموال الباحثة عن بيئات مستقرَّة وقادرة على تحقيق عوائد متوازنة، ويمنح صانع القرار أدوات أكثر مرونة في إدارة المرحلة القادمة بثقة أكبر، في ظلِّ عالم تتزايد فيه المخاطر وتضيق فيه هوامش المناورة.

ولعلَّ الأهميَّة الحقيقيَّة لهذه المؤشِّرات تتجلى في قدرتها على إعادة تشكيل نظرة المستثمرين للأسواق المستقرة، حيثُ يتحول الاستقرار المالي إلى عنصر جذب رئيسٍ لرؤوس الأموال الباحثة عن بيئات آمِنة قادرة على تحقيق عوائد مستدامة. ويظهر ذلك في تنامي الثقة في الاقتصاد العُماني كوجهة استثماريَّة تملك وضوحًا في السياسات وقدرة على إدارة المخاطر، وهو ما ينعكس على زيادة الاهتمام بالقِطاعات غير النفطيَّة الَّتي أصبحتْ تُمثِّل مساحة نُمو واعدة تدعم تنويع الاقتصاد وتُعزِّز من تنافسيَّته، كما يُسهم هذا المسار في خلق بيئة أعمال أكثر نضجًا قادرة على استيعاب استثمارات نوعيَّة ترتبط بالصناعة والخدمات اللوجستيَّة والطاقة المُتجدِّدة، ويمنح الاقتصاد قدرةً أكبر على التحوُّل من نموذج يعتمد على الموارد إلى نموذج قائم على القِيمة المضافة، بما يُعزِّز من استدامة النُّمو ويؤسِّس لمرحلةٍ اقتصاديَّة أكثر توازنًا واتساقًا مع المتغيِّرات العالميَّة.

إنَّ المرحلة القادمة تضع هذا المسار الاقتصادي أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرة الاستمرار في تحقيق هذا التوازن وسط بيئة عالميَّة سريعة التغيُّر، حيثُ يتطلب الحفاظ على هذه المكتسبات تعميق مسار التنويع الاقتصادي، وتعزيز كفاءة الإنفاق ورفع إنتاجيَّة القِطاعات غير النفطيَّة، مع الاستمرار في جذب استثمارات نوعيَّة تضيف قِيمة حقيقيَّة للاقتصاد. ويبرز في هذا السياق دَوْر السياسات الاقتصاديَّة في التحرك بمرونة تتيح الاستفادة من الفرص الَّتي تخلقها التحوُّلات العالميَّة، بما يُعزِّز من موقع سلطنة عُمان كمركز اقتصادي قادر على التكيُّف والنُّمو، ويؤكِّد أنَّ ما تحقَّق من استقرار لا يُمثِّل نقطة وصول بقدر ما يعكس بداية مرحلة أكثر عمقًا تتطلب استدامة الأداء وتوسيع قاعدة النُّمو على أُسُس أكثر صلابة.