أيها القرّاء.. ومع ماء جديد من أنواع الماء التي ذكرها الله تبارك وتعالي في كتابه الكريم نستكمل مسيرتنا، ألا وهو «الماء المنهمر»، ومعنى الماء المنهمر، كما يقول الخليل بن أحمد في كتابه (العين 4/ 50): (همر: الهَمْرُ: صَبُّ الدَّمْعِ والماءِ والمَطَرِ، وهَمَر الماءُ، وأنهمر فهو هامِرٌ مُنْهَمِرٌ. والفَرَسُ يَهْمِرُ الأرضَ هَمْراً، وهو شدَّة حَفْرِه الأرضَ بحوافِرِه)، وقد ذكر الله تعالى هذا النوع من الماء في كتابه الكريم مرة واحدة، قال تعالى: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغلُوب فَٱنتَصِر، فَفَتَحنَا أَبوَبَ ٱلسَّمَاءِ بِمَاء مُّنهَمِر) (القمر 10-11)، أَيْ: فَأَجَبْنَا دُعَاءَهُ وَأَمَرْنَاهُ بِاتِّخَاذِ السَّفِينَةِ وَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ (بِماءٍ مُنْهَمِرٍ) (أَيْ: كَثِيرٍ)، قَالَهُ السُّدِّيُّ، وَقِيلَ: (إِنَّهُ الْمُنْصَبُّ الْمُتَدَفِّقُ، الْهَمْرُ الصَّبُّ، وَقَدْ هَمَرَ الْمَاءُ وَالدَّمْعُ يَهْمِرُ هَمْرًا. وَهَمَرَ أَيْضًا إِذَا أَكْثَرَ الْكَلَامَ وَأَسْرَعَ. وَهَمَرَ لَهُ مِنْ مَالِهِ أَيْ أَعْطَاهُ)، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:(«فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ» مِنْ غَيْرِ سَحَابٍ لَمْ يُقْلِعْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ قِيلَ: إِنَّهُ فَتْحُ رِتَاجِهَا وَسَعَةُ مَسَالِكِهَا. وَقِيلَ: إِنَّهُ الْمَجَرَّةُ وَهِيَ شَرَجُ السَّمَاءِ وَمِنْهَا فُتِحَتْ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ، قَالَهُ عَلِيٌّ ـ رضي الله عنه) (الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 17/ 132).
وقد وصف سبحانه هذا الطوفان في سورة القمر قال:(«كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ، فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ، فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ، وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ، فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ»، وإنه لمنظر تشيب من هوله الولدان، ماء ينهمر من السماء انهمارًا، وأرض تتفجر فتفيض ماءً ثجاجًّا يصير بحرًا متلاطم الأمواج، تغطت من تحته الأرض بجبالها ووديانها، وخفيت من فوقه السماء بكواكبها وشمسها، وكانت عليه السفينة كما كان عرش الله على الماء في بدء التكوين) (تفسير المراغي 12/ 38). يقول الرازي في (مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير29/ 294): (وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْمَ نُوحٍ مُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَقالُوا مَجْنُونٌ، وَمُصَابُ الْجِنِّ، وفَعَلُوا مَا يُوجِبُ الِانْزِجَارَ مِنْ دُعَائِهِمْ حَتَّى تَرَكَ دَعْوَتَهُمْ وَعَدَلَ عَنِ الدُّعَاءِ إِلَى الْإِيمَانِ إِلَى الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ، «فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ»، ومَعْنَى مَغْلُوبٌ: غَلَبَنِي الْكُفَّارُ فَانْتَصِرْ لِي مِنْهُمْ، أو غَلَبَتْنِي نَفْسِي وَحَمَلَتْنِي عَلَى الدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ فَانْتَصِرْ لِي مِنْ نَفْسِي، انْتَصِرْ لِي أَوْ لِنَفْسِكَ فَإِنَّهُمْ كَفَرُوا بِكَ، «فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ»، وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: الْمُرَادُ مِنَ الْفَتْحِ وَالْأَبْوَابِ وَالسَّمَاءِ حَقَائِقُهَا أَوْ هُوَ مَجَازٌ؟ نَقُولُ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا: حَقَائِقُهَا وَلِلسَّمَاءِ أَبْوَابٌ تُفْتَحُ وَتُغْلَقُ وَلَا اسْتِبْعَادَ فِيهِ وَثَانِيهِمَا: هُوَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ، فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ مِنَ السَّحَابِ، وَعَلَى هَذَا فَهُوَ كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ فِي الْمَطَرِ الْوَابِلِ جَرَتْ مَيَازِيبُ السَّمَاءِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَطَرَ مِنْ فَوْقُ كَانَ فِي غَايَةِ الْهَطَلَانِ، والْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: «فَفَتَحْنا» بَيَانُ أَنَّ اللَّهَ انْتَصَرَ مِنْهُمْ وَانْتَقَمَ بِمَاءٍ لَا بِجُنْدٍ أَنْزَلَهُ، بَيَانًا لِكَمَالِ الْقُدْرَةِ، وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ الْمَطَرَ سِنِينَ فَأَهْلَكَهُمْ بِمَطْلُوبِهِمْ، والْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: «بِماءٍ مُنْهَمِرٍ» مَا وَجْهُهُ وَكَيْفَ مَوْقِعُهُ؟ نَقُولُ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: كَمَا هِيَ فِي قَوْلِ الْقَائِلِ فَتَحْتُ الْبَابَ بِالْمِفْتَاحِ وَتَقْدِيرُهُ هُوَ أَنْ يَجْعَلَ كَأَنَّ الْمَاءَ جَاءَ وَفَتَحَ الْبَابَ وَعَلَى هَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: يَفْتَحُ اللَّهُ لَكِ بِخَيْرٍ أَيْ يُقَدِّرُ خَيْرًا يَأْتِي وَيَفْتَحُ الْبَابَ، وَعَلَى هَذَا فَفِيهِ لَطِيفَةٌ وَهِيَ مِنْ بَدَائِعِ الْمَعَانِي، وَهِيَ أَنْ يُجْعَلَ الْمَقْصُودُ مُقَدَّمًا فِي الْوُجُودِ، وَيَقُولُ كَأَنَّ مَقْصُودَكَ جَاءَ إِلَى بَابٍ مُغْلَقٍ فَفَتَحَهُ وَجَاءَكَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ: لَعَلَّ اللَّهَ يَفْتَحُ بِرِزْقٍ، أَيْ: يُقَدِّرُ رِزْقًا يَأْتِي إِلَى الْبَابِ الَّذِي كَالْمُغْلَقِ فَيَدْفَعُهُ وَيَفْتَحُهُ، فَيَكُونُ اللَّهُ قَدْ فَتَحَهُ بِالرِّزْقِ، وثَانِيهُمَا: فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ مَقْرُونَةٌ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وَالِانْهِمَارُ الِانْسِكَابُ وَالِانْصِبَابُ صَبًّا شَدِيدًا، وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّ الْمَطَرَ يَخْرُجُ مِنَ السَّمَاءِ الَّتِي هِيَ السَّحَابُ خُرُوجَ مُتَرَشِّحٍ مِنْ ظَرْفِهِ، وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ كَانَ يَخْرُجُ خُرُوجَ مرسل خارج من باب).. والله غالب على أمره.
د.محمود عدلي الشريف