النموذج الخامس: قوله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) (الفتح ـ 10).
هنا نجد أن الهاء في قوله تعالى:(عَلَيْهُ) مضمومة، رغم أن قبلها ياءً، وحرفَ جر، هو(على)، والسياق يوجبُ كسرها، كما في نحو:(.. فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ) (الأعراف ـ 167)، ونحو:(فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا..) (التوبة ـ 40).
ولكنَّ القرآن الكريم عَدَلَ هنا عن الكسر إلى الضمِّ لأمور، لعل منها الآتي: أن الوفاء بالعهد مع الله مقامٌ عالٍ، ومنزلةٌ رفيعةٌ، تتطلب ضم الهاء لتفخيم الاسم الكريم:(الله)،، ومنها أن المرء إذا عاهد ربه يكون مرفوع القدر، وأِشِمَّ الهامة، عاليَ الشأن والمقام، شريطة أن يلتزم بعهده، ومنها وجوبُ الاعتزاز بالله عند إقامة العهد معه – سبحانه - ومنها أن المسلم يستشعر العظمة، ويتذوَّق معنى العزة، والكرامة، ورفع المنزلة عندما يرتبط بربه، ويتعهَّد لمولاه، وينهض لإتمام ما عاهد ربَّه عليه من الطاعة، والعبادة، والصدقات.. وغيرها مما يُعَاهِدُ المؤمنُ ربَّه عليه فيما بينه، وبين مولاه، ويوقن بالرفع، والعظمة، والمهابة، والتكريم، تمامًا كما فعلتِ الهاءُ بضمها؛ حيث أعطتنا القاعدة التجويدية تفخيمَ اللام من اسم الجلالة؛ لأن القاعدة في باب اللام - عند أهل التجويد، والأداء - أنها تفخَّم إذا كان ما قبلها مفتوحًا، أو مضمومًا، وترقَّق إذا كان ما قبلها مكسورًا، كما في مطلع سورة إبراهيم الذي يقول الله تعالى فيه:(الـر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ، اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) (إبراهيم 1 ـ 2).
فلو وصل القارئُ بين الآيتين لَرَقَّق الاسم الكريم، ولَضَاعَ الغرضُ البلاغيُّ، والعقديُّ من إيراده، كما أن فيه مخالفة للقراءة النبوية؛ حيث إن الوقوفَ على رؤوسِ الآيِ هو من السنة المطهرة، فيلزم القارئَ أن يقف عند قوله تعالى:(إلى صراط العزيز الحميد)، ثم يبدأ: (اللهِ الذي له..)، فيحقِّق بذلك أمرين؛ الأول: الالتزام بقاعدة التجويد أن الوقوف على رأس الآية من السنة، والثاني: تفخيم الاسم الكريم، وخصوصًا أن السياق يدفعُ إلى ذلك، فهو سياقُ مدح، وتعظيم لأسماء الله تعالى، وقدرته في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولا يقدر على ذلك إلا اللهُ، فكان التفخيمُ متماشيًا متناغمًا مع المعنى، ومتساوقًا مع السياق الذي جاءَ له الاسمُ الكريمُ.
ومثلها في العدول إلى الضَّمِّ قوله تعالى:(قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا) (الكهف ـ 63).
هنا جاءت الهاء في (أنسانيهُ) مضمومةً، والأصلُ الكسر على عادة بقية الآيات، إلا أن لها هنا دلالاتٍ جديدةً، منها أن الشيطان يُنْسِي الإنسان كثيرًا من الأمور، حتى إن الكلمةَ نفسَها نسيتْ كسرها، وضُمَّتْ لتظهر دلالةَ الشيطانِ في إنساءِ الإنسانِ عن تذكر ما في يده، فيمضي، ويتركه، كما فعل فتى موسى مع الحوت، عندما كان مسافرًا مع سيدنا موسى -عليه السلام - ومنها أن الأمر كان خطيرًا؛ حيث إن الحوت (وهو السمكة الكبيرة) بعد أن شَوَاهَا الفتى، وأكل منها مع سيدنا موسى، وانتهتْ مهمةُ الحوت التي كلفه الله بها، مضى إلى البحر لاستكمال حياته؛ حيث أنهى رسالته، ومضى لحينِ نفسِه، وشأنِه، حتى إن الآية لَتُبْدِي هي الأخرى العجب: (واتخذ سبيله في البحر عجبًا) لأنه مشويٌّ، ومأكول منه، فكيف ينهض ثانيةً، ويدخل البحرَ؛ ليكمل حياته؟!، إنها إرادة الله – سبحانه - إذا أراد شيئًا أن يقول له:»كن فيكون»، فلما أدَّى الحوتُ مهمة ربِّه، وانتهتْ، مضى لحاله، وكانت تلك علامة وجود العبد الصالح الذي صاحبه سيدُنا موسى - عليه السلام - في رحلاته الثلاث، وتعلم منه الكثير، وعَرَّفه أنه يمكن لعبدٍ من عباد الله، وليس نبيًّا أن يكون أعلم من النبي، ولديْه من الإدراك، والمعرفة التي علمه إياه ربه، ما هو أكثر من معرفة، وإدراك النبي نفسه، والقصة مفسَّرة، ومعلومَة في كتب التفسير، فالعلة من العدول عن الكسر إلى الضم حَمَلَتْ كل تلك الدلالات، وكل تلك المضامين، فالعدول مقصود، لأمور أخرى يبديها السياق، والموقف، والظرف.
د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية