لعلَّ هذا العنوان يتَّصل بامتدادات الصِّراع الرَّاهن الَّذي تقف على أحَد طرفَيْه الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة، وللأسف بمسوِّغات وتحريض من قِبل رئيس وزراء الكيان الصهيوني الَّذي يشارك أيضًا في هذه المواجهة ضد جمهوريَّة إيران الإسلاميَّة. ومع استمرار هذا الصِّراع يتضح أنَّ الولايات المُتَّحدة لا تواجه إيران وحدها، بل تصطدم بشكلٍ أو بآخر مع قوى دوليَّة منافِسة لها (روسيا والصين) اللَّتين استخدمتا حقَّ النقض (الفيتو) اعتراضًا على فتح مضيق هرمز قَبل أسبوع. والآن تفرض الولايات المُتَّحدة حصارًا بحريًّا على الملاحة الدوليَّة، ومنع إمدادات الطاقة، ليس إمدادات الطاقة الإيرانيَّة الَّتي يتَّجه أغلبها إلى الصِّين بما يتجاوز مليونًا وثلاثمئة ألف برميل يوميًّا، بل حتَّى الإمدادات الأخرى القادمة من دول الخليج، إضافةً إلى ما يَعْبر باب المندب قادمًا من الموانئ السعوديَّة في حال تطوَّر الصِّراع ودخلَ مضيق باب المندب على خطِّ الصِّراع. وهنا باتتِ المواجهة ليست بَيْنَ إيران وحدها والولايات المُتَّحدة، بل مع قوى دوليَّة منافِسة تقف على رأسها الصِّين المنافس الأبرز لها، إضافةً إلى تعطيل المصالح الاقتصاديَّة العالميَّة وارتفاع أسعار النفط والغاز أيضًا.
الحروب الأميركيَّة الأخيرة الَّتي بدأتْ مطلع الألفيَّة بالحرب على أفغانستان فيما سُمِّي بالحرب على الإرهاب، والَّتي انتهتْ بانسحاب أميركي بعد عَقديْنِ من الزمن كبَّدتِ الولايات المُتَّحدة خسائر تريليونيَّة وآلاف القتلى من جنودها، والحرب على العراق وتغيير نظامها وعدم الاستقرار السياسي والأمني الَّذي شهده العراق لسنوات لاحقة، فماذا جنتِ الولايات المُتَّحدة من تلك الحروب؟! هناك رأي عام أميركي يرى في تلك الحروب خسائر استراتيجيَّة تكبَّدتها الولايات المُتَّحدة، وهناك رأي آخر يراها من الضرورات، لكنَّ كلفتها الاقتصاديَّة عالية.
تكلفة الحروب الأميركيَّة في كُلٍّ من أفغانستان والعراق تُعَدُّ الأعلى في التاريخ الحديث، وهناك تقديرات متعدِّدة أشْهَرُها تقدير جامعة براون لمشروع «تكاليف الحرب» الَّذي قدَّر تكلفة الحربَيْنِ بـ(4.4) تريليون دولار، منها (2.3) تكاليف حرب أفغانستان، و(2.1) تكاليف الحرب على العراق. إلَّا أنَّ التكلفة مع فوائد الديون وتداعياتها اللاحقة قدِّرت بـ(6ـ8) تريليون دولار.. وهذه الأرقام فلكيَّة، إذا أُضيف لها تداعيات الحروب وخسائرها بشكلٍ عام، إضافةً إلى حالة الكراهية الَّتي خلَّفتها تلك الحروب، فإنَّ الرأي الرافض لتلك الحروب محقٌّ بطبيعة الحال.
الصِّراع المستمر في الشرق بوجود الكيان العنصري الصهيوني ورعايته من قِبل الولايات المُتَّحدة، وما يلحق بالدَّولة العظمى من تداعيات على مستقبل القوَّة الأميركيَّة، لم يقفْ على دعم الكيان في عدوانه المستمر على أبناء الشَّعب الفلسطيني وانتهاكاته، وآخرها العدوان على قِطاع غزَّة الَّذي استمرَّ أكثر من (25) شهرًا وما خلَّفه من شهداء تجاوز الـ(72) ألف شهيد، وأكثر من (170) ألف مُصاب، ودمار هائل تجاوز كُلَّ التصوُّرات، وللأسف، بغطاء سياسي ودعم عسكري من قِبل الولايات المُتَّحدة في حالة من الظلم العالمي استهدفت شَعبًا بأكمله، بعدها الحرب الدَّائرة بَيْنَها وبَيْنَ الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة. واللافت هو رفْضُ حلفاء واشنطن الانخراط معها في هذه الحرب، ليس ذلك فحسب، بل تزعزعتِ الثقة بَيْنَ الولايات المُتَّحدة وحلفائها بشكلٍ غير مسبوق.
اليوم تفرض الولايات المُتَّحدة حصارًا في أعالي البحار لتعطيلِ الملاحة والتجارة الدوليَّة وأسواق الطاقة ردًّا على إغلاق مضيق هرمز وقد يتطور الأمر بإغلاق مضيق باب المندب، ورُبَّما تتعرض قطعها البحريَّة وطائراتها لهجمات لو استمر الأمر إلى وقت أطول، فهل هذه أثمان تدفعها واشنطن لمشاركتها سياسات «تل أبيب» وحكومتها اليمينيَّة في الشرق الأوسط؟! أم أنَّ هناك أرقامًا أخرى من الخسائر ما زالت تحت الحساب على واشنطن أن تتكبدها؟!!
خميس بن عبيد القطيطي