الخميس 16 أبريل 2026 م - 28 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

أوراق الخريف : مجلس التعاون الخليجي والمستقبل اللوجستي

أوراق الخريف : مجلس التعاون الخليجي والمستقبل اللوجستي
الأربعاء - 15 أبريل 2026 05:58 ص

د. أحمد بن سالم باتميرا

10


في ظلِّ الأحداث والأزمات الَّتي تعيشها المنطقة حاليًّا وسابقًا، برز الدَّوْر الحقيقي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربيَّة ليس فقط سياسيًّا، بل لوجستيًّا هذه المرَّة وبامتياز. وهذه المرَّة لا بُدَّ أن ينطلق هذا المجلس بقوَّة لتحقيقِ التكامل والتجانس لِيكُونَ آمِنًا على وضعه السياسي والأمني والاقتصادي من خلال رؤية صادقة وقرار سريع للاستفادة: أولًا من الإمكانات والموارد الَّتي يملكها، ثم الموقع الاستراتيجي وتسخير الإمكانات الماليَّة والاستثماريَّة لخدمة الشعوب الخليجيَّة عَبْرَ منظومة متجانسة ومتكاملة من الدَّعم اللوجستي الَّذي أصبح عنصرًا مهمًّا في مواجهة الأزمات الَّتي تمرُّ على هذه الدول بَيْنَ فينة وأخرى.

واليوم ومع تصاعد الحرب في المنطقة والتوتُّرات الإقليميَّة المستمرَّة، وتأثر سلاسل الإمداد العالميَّة من النفط والغاز، وتأثر دول مجلس التعاون الخليجي من سلاسل الإمداد الغذائي والمستلزمات الضروريَّة لشعوبهم وللمقيمين، فقد أدَّت كُلٌّ من سلطنة عُمان والمملكة العربيَّة السعوديَّة دَورًا في تأمين تدفُّق السِّلع والطَّاقة، مستفيدتيْنِ من موقعهما الجغرافي الاستراتيجي. ومن هنا يتحتَّم على دول المجلس العمل على إيجاد منافذ وخطوط إمداد تربط هذه الدول بميناء الدقم أو صلالة في سلطنة عُمان، وكذلك بميناء جدَّة في المملكة العربيَّة السعوديَّة.

لذا من الضروري أن تكُونَ القمَّة الخليجيَّة القادمة قمَّة قرارات وأفعال وإنجازات تسطر، وتعتمد قراراتها بالتفاعل مع الواقع ومتطلباته المستقبليَّة، فيكفي ما حدَث وما يحدُث من حَوْلِنا، رغم ما نملكه من إمكانات وقدرات وأموال واستثمارات تجعلنا نكُونُ منظَّمة قويَّة في كُلِّ المجالات أكثر قوَّة وتماسكًا من الآسيان ولا تقلُّ عن بريكس.

فالولايات المُتَّحدة الأميركيَّة تتَّجه لإعادة رسم موقعها على الخريطة في الشرق الأوسط حسب مصالحها أولًا ومصالح «إسرائيل»، وتنقل قوَّاتها لأماكن أخرى، والدَّولة العميقة في أميركا رسمت خريطة للعالم الجديد، والمنظَّمات القويَّة اقتصاديًّا وماليًّا والمكتفية غذائيًّا وأمنيًّا سيكُونُ لها شأن واحترام. ومن هنا فإنَّ الأمر يتطلب من دول مجلس التعاون الخليجي إعادة النظر في سياساتها، والتركيز على التكامل فيما بَيْنَها وتحقيق الاكتفاء الذَّاتي بَيْنَها، وتعزيز وتقوية الجيش الخليجي وربط الموانئ والمطارات والإسراع في القطار الخليجي المشترك، ورفع كفاءة الأيدي العاملة وترسيخ قوَّة الموقع الاستراتيجي واللوجستي، والتركيز على بناء المصانع الكبيرة والعملاقة الضروريَّة في دولنا، ومنها يتمُّ التصدير والاستفادة منها داخليًّا.

القوى الغربيَّة والأميركان وغيرهم لا تهمُّهم إلَّا مصالحهم ومصالح «إسرائيل»، وما تعرضتْ له دول مجلس التعاون الخليجي خلال هذه الحرب، يجعلنا لا نفكر، بل نقرِّر بأن تكُونَ لدَيْنا هيئة خليجيَّة مشتركة للأمن الغذائي والأمن العسكري تتوحد من خلالها المصالح والرؤى في قالب واحد لخدمة الشعوب الخليجيَّة، والأرباح والشركات مناصفة والكُلُّ مستفيد، مع العمل على تطوير وتحسين واستغلال الأراضي الزراعيَّة في الخليج، وتقديم التقنيَّات الحديثة، وأن تكُونَ لدَيْنا القوَّة والقدرة على الدِّفاع عن التراب الخليجي.

ومن هنا ربط النفط والغاز بالموانئ العُمانيَّة والسعوديَّة ضرورة حتميَّة، وربط شبكة النقل والقطارات من دولة الكويت إلى صلالة، وتنويع الشراكات والاستثمارات الاستراتيجيَّة الكبرى مثل ما عملتِ الكويت وعُمان في مصفاة الدقم، فالطَّاقة ومحطَّات التحلية والطَّاقة البديلة، وتصنيع السيَّارات والأسلحة والأدوية والإنتاج الزراعي وغيرها أصبحتْ ضرورة حتميَّة لدول مجلس التعاون الخليجي.

ففي خضمِّ هذه التحوُّلات الجيوسياسيَّة الَّتي تعصف بالمنطقة والعالم، فإنَّ دولنا الخليجيَّة عليها الإسراع بتَبنِّي رؤية اقتصاديَّة وأمنيَّة جديدة وطموحة تتقاطع مع مستهدفات كُلِّ رؤية خليجيَّة؛ بهدف الاستفادة من الموقع الجغرافي لدول الخليج الَّذي هو خطُّ الرَّبط بكُلِّ قارَّات العالم.

فكم خسرت دول الخليج من مبالغ ومداخيل جرَّاء الحرب الحاليَّة والحروب السابقة، ومن المستفيد من عدم استثمار مواقعنا الاستراتيجيَّة؟ وكم تأثرتْ وخسرتْ بعض الدول جرَّاء إغلاق مضيق هرمز أو الأجواء، لذا الحل موجود، وهذه لحظة صراحة أقولها عليكم بالتكامل والكُلُّ مستفيد، والاستثمار في بُلداننا هو الأفضل والعائد سيكُونُ للجميع مثل الاستثمار في مشروع شبكة السكك الحديدية الَّذي يربط ولاية صحار بالعاصمة الإماراتيَّة أبوظبي، ولا نترك شعوبنا أمام مستقبل غامض، ونبتعد عن الحملات الإعلاميَّة المغرضة والحقد والحسد والسياسات الخادعة، فنحن نملك الكثير من التجانس الَّذي يجعلنا في القمَّة. ولا يخالجني شك أنَّ ما هو قادم سيكُونُ مختلفًا بالضرورة عن كُلِّ ما مضى في السابق. فالمرحلة القادمة تفرض علينا النظر إلى شراكة أكثر قوَّة وحيويَّة واستحداث وتطوير معايير التكامل بَيْنَنا في مختلف المجالات الأمنيَّة والغذائيَّة واللوجستيَّة لِتتجاوزَ حدود الأمنيات والدَّعوات لواقع ملموس هذه المرَّة لشعوب دول مجلس التعاون.. والله من وراء القصد.

د. أحمد بن سالم باتميرا

[email protected]