الخميس 16 أبريل 2026 م - 28 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

النفط وجذب الاستثمار المستدام

النفط وجذب الاستثمار المستدام
الأربعاء - 15 أبريل 2026 05:56 ص

جودة مرسي

20


دائمًا ما تتميز سلطنة عُمان بأنَّ لها استراتيجيَّتها الخاصَّة في التعامل مع الحاضر والمستقبل، وأنَّ رؤيتها دائمًا ما تتلحف بالنجاح؛ لكونها مبنيَّة على الدراسات المتعمقة والهادئة، والَّتي تهدف إلى بناء المستقبل على أُسُس متينة وقويَّة لا تتأثر بأيِّ ظروف طارئة. وإذا استلزم الأمر الاستعانة بالتجارب الناجحة للآخرين مع الحفاظ على هُوِيَّة وثوابت مصلحة الوطن والمواطن أولًا. وقد شهدتْ سلطنة عُمان خلال الأسبوع الجاري حدثين مهمَّينِ اقتصاديًّا وهما الإعلان عن طرح (5) مناطق للتنقيب عن الغاز والنفط، وهو التوجُّه الاستراتيجي لسلطنة عُمان في قِطاع النفط والغاز، يعكس تحوُّلًا مدروسًا يجمع بَيْنَ تعظيم الموارد التقليديَّة وتنويع الاقتصاد، وفي نفْس التوقيت عقد المؤتمر الدولي الأول حَوْلَ استدامة الأعمال (تعزيز منظومة الابتكار والاستثمار في سلطنة عُمان). والحدثان جزء من استراتيجيَّة متكاملة وذكيَّة تجمع بَيْنَ الاقتصاد التقليدي والتحوُّل المستدام، حيثُ إنَّ المؤتمر يدعو إلى الاستدامة، فيما التنقيب عن النفط يعني زيادة الإنتاج وتعظيم الموارد، وترجمة هذا الكلام عمليًّا تأكيدًا على أنَّ سلطنة عُمان تتبع نموذج «الاستدامة الواقعيَّة» بما يعني أنَّ تمويل المشاريع المستدامة يحتاج تمويلًا ضخمًا. وهنا تأتي عوائد النفط والغاز من المناطق الجديدة لتمويل المشاريع، وبعض هذه المشاريع رُبَّما يتمُّ انتقاؤها بعد الدراسة من تلك الَّتي تدرج في مؤتمر استدامة الأعمال. بمعنى أنَّ النفط يموِّل عدم الاعتماد على النفط، بالإضافة إلى أنَّ انعقاد المؤتمر في مسقط يعني جذب نوع جديد من الاستثمارات من خلال إرسال رسالة للمستثمرين بأنَّ سلطنة عُمان ليست فقط دولة نفط، بل بيئة أعمال مستدامة ومتطورة، وأنَّ لدَيْها الأرضيَّة الآمنة المستقرة الَّتي تعطي الطمأنينة والأريحيَّة لأيِّ مستثمِر يبحث عن النجاح، وتحقيق العوائد المرجوة من الاستثمار.

الواقع يقول إنَّ العالم لا يزال يعتمد على النفط والغاز والطلب لن يختفي قريبًا؛ لذلك تأتي المعادلة الذكيَّة وهي أن نستمر في الإنتاج مع الاستعداد لمرحلة ما بعد النفط، وهي أيضًا جزء من نفس الفكرة المطبقة (ادخار جزء من عائدات النفط اليوم للأجيال القادمة). وهنا يأتي الدَّمج بَيْنَ البحث عن توسعة الإنتاج والسَّعي نَحْوَ الاستثمار المستدام، ممَّا يعطي التوازن بَيْنَ السمعة والاستقرار المالي، وهي ترجمة لفكرة استراتيجيَّة كبيرة تتلخص في (استغل الموارد الحاليَّة... لبناء مستقبل مختلف) وهذا يتماشى مع استقبال (136) ورقة بحثيَّة، اختير منها (38) فقط، بالإضافة إلى مناقشة الاستثمار الأجنبي المباشر والشراكة بَيْنَ القِطاعين العام والخاص، والإصلاحات التنظيميَّة والابتكار والاستدامة الاقتصاديَّة طويلة المدى. إذًا العلاقة بَيْنَ الحدثين (البحث والتنقيب عن النفط والغاز، تعزيز منظومة الابتكار والاستثمار في سلطنة عُمان) هو عقد تكامل يتمثل في أنَّ النفط هو مصدر التمويل، يُستخدم في الوصول إلى الاستدامة. ويعطي للآخرين تجربة ناجحة بأنَّه ليس المهمُّ وجود النفط... بل كيف تُدار عائداته، وهذا ما نجحتْ في تطبيقه سلطنة عُمان.

نماذج على عبقريَّة الاختيار في سلطنة عُمان

نجحتِ الاستراتيجيَّة الَّتي تتبعها سلطنة عُمان والَّتي منها تنويع مصادر الدخل (سياحة، زراعة، صيد، بنية أساسيَّة متطورة.. إلى آخره) بشكل كبير مثلها مثل العديد من الدول والَّتي أبرزها النرويج، الَّتي تُعَد من أفضل النماذج عالميًّا في استخدام عوائد النفط لبناء اقتصاد مستدام. نتيجة سياسات دقيقة وانضباط طويل المدى، ناتج عن تأسيس النرويج (صندوق الثروة السيادي النرويجي) تُحوَّل إليه معظم عائدات النفط الَّتي تستثمر عالميًّا في أسْهُم، عقارات، سندات، بقِيمة تتجاوز تريليونات الدولارات، وعدم الاعتماد على النفط داخليًّا رغم أنَّها منتِج كبير، والاقتصاد الداخلي متنوع، والنتيجة اقتصاد مستقر حتَّى عند انخفاض أسعار النفط.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»