يعكس التراشق بَيْنَ الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع بابا الفاتيكان ما أهو أبعد من مجرَّد تصريحات وتعليقات وردود مغالية في التشدُّد. أمَّا نشر ترامب صورة له في هيئة السَّيد المسيح عليه السَّلام، ثم شطبها بعدما تعرَّض لانتقادات حتَّى من ناخبيه في أميركا، فلم يكُنْ أيضًا «شطحة» من شطحات الرئيس الَّذي ينشر كثيرًا من الصوَر والفيديوهات المطوَّرة بالذَّكاء الاصطناعي على موقعه للتواصل. إنَّما هو استمرار لِمَا يذكره الجميع من رفعه للكِتاب المقدَّس أمام البيت الأبيض في فترة رئاسته الأولى، فيما وُصِف بأنَّه محاولة كسب أصوات المتدينين. رُبَّما يكُونُ الرئيس الأميركي «فجًّا» إلى حدٍّ ما في إشاراته إلى الدِّين، لكنَّ الواقع أنَّ دخول الدِّين في السياسة أصبح سِمةً بارزة في القرن الحالي حَوْلَ العالم لاعتبارات ذكرنا بعضها هنا في هذه الزاوية من قَبل.
لم تَكُنِ الإدارة الأميركيَّة بحاجة إلى تصريح البابا المناهض للحرب والدَّاعي للسَّلام؛ كَيْ تُعزِّز من رسائلها الَّتي تخلط الدِّين بالسياسة. والحقيقة أنَّ الولايات المُتَّحدة ليستْ وحدها الَّتي تفعل ذلك، ولا حتَّى قوى اليمين المتطرف الَّتي ترفع شعارات عنصريَّة أحيانًا على أساس الدِّين، وليس فقط العِرق واللَّون. وتلك موجة صاعدة ليست فقط فيما تُسمَّى «الديموقراطيَّات الغربيَّة»، بل في أرجاء أخرى من العالم. وهي موجة تتصاعد منذ نهاية الحرب الباردة في الرُّبع الأخير من القرن الماضي وانهيار المعسكر الشرقي واضمحلال الآيديولوجيَّات الكبرى. بالنسبة للقوى الدوليَّة الكبرى فلا بُدَّ لها من «عدوٍّ» تحشد على أساسه الرأي العام، وتبرِّر به سياساتها المصلحيَّة والانتهازيَّة. ووجدتْ في «الدِّين»، أي دِين في هذه الحالة، هدفًا لها. ومع صعود ما سُمِّي «الإسلام السياسي» في منطقتنا وغيرها من أقاصي آسيا إلى إفريقيا جنوب الصحراء كان من السهل أن تجعل أميركا والغرب من «التطرف الإسلامي» والإرهاب المتسربل بالدِّين مادَّة للمواجهة. مع أنَّ أميركا هي مَن سلَّحتِ الجماعات المتطرفة في باكستان وأفغانستان لاستخدامها في محاربة الاتِّحاد السوفييتي السابق (الشيوعي) وعلى أساس دِيني أيضًا. ثم انفجر ذلك الإرهاب وتشظَّى لِيصيبَ المُسلِمِين أكثر من الغربيين.
المُشْكلة أنَّه رغم إدراك الأغلبيَّة من المتدينيين، مُسلِمِين ومسيحيين وحتَّى يهود، للآفة الانتهازيَّة لدى مَن يستخدمون الدِّين ستارًا للحروب وأعمال العنف والإرهاب، إلَّا أنَّ تلك الأغلبيَّة لا تفعل شيئًا سوى محاولة تبرئة نفْسها. لعلَّ المثال الأوضح هو اليهود غير الصهاينة الَّذين ينتقدون الاحتلال العنصري في فلسطين ويهاجمون بحدَّة ادِّعاءات غلاة الصهاينة باستخدام تفسيرات لاهوتيَّة لتبريرِ المجازر والتطهير العِرقي وكُلِّ الجرائم ضد الإنسانيَّة. لكن أصوات هؤلاء تضيع وسط صخب القوَّة العسكريَّة، وعدم مبالاة العالم بالمآسي والكوارث الَّتي يتسبب بها مَن يدَّعون الدِّين لأغراض انتهازيَّة بَشِعة. في الوسط ما بَيْنَ مستخدمي الشعارات الدينيَّة لارتكاب كُلِّ ما هو غير إنساني وبَيْنَ الجماهير العريضة من معتنقي الأديان الَّذين لا حَوْلَ لهم ولا قوَّة سوى الدُّعاء إلى السَّماء، هناك قوى «مائعة» تحاول «إمساك العصا من النصف». فهي تغازل مشاعر الناس الدينيَّة في مُجتمعاتها لأهداف سياسيَّة وانتخابيَّة، وفي الوقت نفْسه لا تستطيع مواجهة الافتئات على الدِّين واستغلاله في التغطية على الإرهاب والعدوان والتدمير. تلك القوى الَّتي في المنتصف هي الأخطر في تصوُّري؛ ذلك لأنَّها توفِّر للقوى المهيمنة، والمسيطرة والمستغلَّة للدِّين في انتهازيَّة تقترب من الإجرام، فرصةً لتصعيد توجُّهها.
المحصِّلة في النِّهاية أنَّ العالم الَّذي يبحث عن توَجُّه منذ ثمانينيَّات القرن الماضي، وكُلِّ الحديث النظري عن «نظام عالمي جديد»، يرسّخ سواء عن قصدٍ أو بِدُونِ قصد أنَّ هذا القرن الحادي والعشرين هو قرن الدِّين. من ناحية هو وسيلة القوى الكبرى في تغطية وتبرير سياساتها الاستغلاليَّة لبقيَّة العالم، ومن ناحية أخرى هو ملاذ الناس العاديَّة الَّتي لا ترى أنَّ بإمكانها فعل شيء لتغيير واقعها المؤلم. الأولى فعل ناجز، بِغَضِّ النظر عن أضراره الهائلة وتعارضه مع أبسط مبادئ الإنسانيَّة، والثانية سلبيَّة و»تواكل» وانسحاب.
في ظلِّ هذا المناخ الَّذي يُستغل فيه الدِّين من ناحية، ويحتمي به الأغلبيَّة من ناحية أخرى، تزيد فرص التشويه والتدليس والتزييف إلى حدِّ الضَّلال. تدعو كُلُّ الأديان، السماويَّة منها والأرضيَّة، إلى العدل والرحمة والتسامح والأخلاق الحميدة وحُسن المعاملة ـ الفطرة البشريَّة النقيَّة. لكن ما يلحق بها من تشوُّهات، وإن كان ليس جديدًا، بل يحدُث منذ قرون، هو ما يجعلها سببًا في الصِّراعات والحروب والكوارث الَّتي جذرها الأوَّل والأخير المصالح الانتهازيَّة، وسياسات السيطرة والهيمنة والاستعمار والابتزاز غير الأخلاقي. ومع ما يتمتع به العالم الآن من تطوُّر تكنولوجي ووسائل اتِّصال مفتوحة غير منظَّمة في أغلبها يسهل التشويه إلى حدِّ الخطر الَّذي يُمكِن أن يقلب حقيقة الأديان إلى عكسها. وإذا كان العالم الآن يخشى هيمنة الذَّكاء الاصطناعي بما يستند إليه من محتوى مفبرك ومضلِّل فإنَّ الخطر على الدِّين يُصبح مضاعفًا في ظلِّ استغلاله سياسيًّا من قِبل القوى الكبرى والصغرى على السَّواء. يحتاج العالم إلى أصوات قويَّة تُعِيدُ الدِّين، كُلَّ دِين، إلى أُصوله كعلاقة بَيْنَ الناس وربِّهم تحضُّهم على السُّلوك السَّوي السَّليم. وتواجِه أيضًا كُلَّ محاولات استغلال الدِّين في السياسة أو غيرها لأغراض كارثيَّة.
د.أحمد مصطفى أحمد
كاتب صحفي مصري