الأربعاء 15 أبريل 2026 م - 27 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

فن الدبلوماسية.. وفلسفة العلاقات العامة الرقمية

فن الدبلوماسية.. وفلسفة العلاقات العامة الرقمية
الثلاثاء - 14 أبريل 2026 04:25 ص

د. سعدون بن حسين الحمداني

10


أغلب علماء الإدارة الحديثة يعرفون العلاقات العامَّة الرقميَّة على أنَّها تعتمد على الإدارة الاستراتيجيَّة باستخدام قنوات الاتِّصال الإلكترونيَّة الحديثة والمستحدثة، ومنصَّات التواصُل الاجتماعي لبناء علاقات نموذجيَّة راقية ومعتمدة على مصادر أكاديميَّة رصينة وحرفيَّة لمعرفة أحدَث ما يجري حَوْلَنا، وكلّ حسب اختصاصه. فالعسكري يتحتَّم عليه التسابق مع الزمن بالتواصُل من خلال وسائل التكنولوجيا الحديثة والبرامج الَّتي تُستحدَث يوميًّا لمعرفة آخر تطوُّر في مجال عمله الوظيفي بمختلف صنوف القوَّات المُسلَّحة؛ لأنَّ أيَّ تأخير أو إهمال بذلك يُعَدُّ قد خسر المعركة وتفوَّق عليه الطرف الآخر، وكذلك العلوم الأمنيَّة لكبار الشخصيَّات والضيوف وحماية المنشآت والتطوَّر الحاصل بذلك؛ لأنَّ الآن مفردات حماية الشخصيَّات تختلف كثيرًا وجذريًّا عن فترة السبعينيَّات والثمانينيَّات من القرن الماضي وغيرها من العلوم الأخرى الَّتي تخدم البشريَّة، ومنها الدبلوماسيَّة بمختلف مجالاتها.

وتتفاخر المدارس الدبلوماسيَّة إن لم تكُن معنيَّة بمعرفة كُلِّ تفاصيل الدول قَبل ابتعاث موظفيها الدبلوماسيين من خلال البرامج ووسائل التواصُل؛ وبالتَّالي يتمُّ توجيه الدبلوماسي وكُلٍّ حسب وظيفته لتنفيذ مهِمَّته بأفضل ما يكُونُ من المعلومات الَّتي حصل عليه قَبل سفره إلى دولة ما. إنَّ فلسفة العلاقات الرَّقميَّة تعتمد كثيرًا على استخدام الإنترنت والتواصُل مع الجميع ضِمن البرامج الإلكترونيَّة والتكنولوجيا لتحقيقِ وتنفيذ هدف ما. ومثال ذلك؛ في السابق هناك كادر كبير لِكَيْ يَقُومَ بتخطيط لاستقبال شخصيَّة ما، حيثُ يتكونُ فريق العمل من دبلوماسيين واجباتهم تتقسم إلى (إصدار التأشيرات (الفيزا)، حجوزات الفنادق، حجوزات الطيران، حجوزات النقليَّات، وغيرها من مفردات بروتوكول وإتيكيت زيارة كبار الشخصيَّات والضيوف). أمَّا الآن فيُمكِن لموظف واحد أن يَقُومَ بإنجاز كُلِّ هذه المهام بكفاءة عالية استنادًا إلى خبرته في استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة، ورغبته بتطوير مهاراته الوظيفيَّة. لذلك أدخلت أغلب البعثات الخارجيَّة كادرها في حلقات متخصِّصة ومتقدِّمة بالعلاقات الرقميَّة لتحقيقِ الأهداف المرسومة لها بكُلِّ حنكة وسرعة وبأقل موارد بشريَّة، وهذا ما يُسمَّى بالقيادة الرشيقة. لذلك بدأتِ المدارس الدبلوماسيَّة الأجنبيَّة ـ وخصوصًا البريطانيَّة ـ بدمج فنِّ الدبلوماسيَّة ومفاهيم البروتوكول والإتيكيت بنظريَّات القيادة الرشيقة، وفلسفة العلاقات العامة الرقميَّة؛ لِيكُونَ الكادر الدبلوماسي في البعثة أو في مركز الوزارة كادرًا حِرفيًّا أكاديميًّا ذا نظرة ثاقبة في تحليلِ كُلِّ المفردات من خلال استخدامه المجال الرَّقمي، والحصول على نتائج متوقعة وغير متوقعة، مبتعدين عن الأساليب القديمة التقليديَّة، وموفِّرين بذلك الوقت والجهد والمال. وهناك عدَّة أهداف وأنواع للعلاقات العامَّة الرقميَّة، وأهمُّها العصف الذِّهني لدى موظف العلاقات العامَّة، والبديهة العالية للوصول إلى الأهداف والنتائج المخطَّط لها.

يُعَدُّ موظفو العلاقات العامَّة هُمُ القلْب النابض للدَّائرة والجهة الَّتي يُمثِّلونها، وأنَّ أيَّ خلَلٍ في التنفيذ يُعَدُّ من الكوارث في مفاهيم البروتوكول والإتيكيت؛ لذلك من الصَّعب تصحيح ما يجري في جميع تنفيذ مهام مفردات إدارة الفعاليَّات أو استقبال كبار الشخصيَّات والوفود أو نظام الأسبقيَّة، أو توجيه الدَّعوات، أو في حضور وإعداد مراسم توقيع الاتفاقيَّات، أو حضور المؤتمرات الدوليَّة الخارجيَّة والداخليَّة، وغيرها من الأنشطة الرسميَّة.

وتتفاخر المدارس والجامعات البريطانيَّة ـ على مختلف مسمَّياتها وخصوصًا الدبلوماسيَّة منها ـ بأنَّ دائرة وموظفي العلاقات العامَّة هم أكثر أهميَّة من المسؤول الأعلى؛ لكونهم هُمْ القلْب النابض، والعَيْن الثاقبة في تحديد الأهداف الاستراتيجيَّة، وتنفيذ الواجبات والمهام الموكلة لهم بكُلِّ دقَّة من خلال معرفة تفاصيل كُلِّ محاور مفاهيم البروتوكول والإتيكيت الحكومي. إنَّ اختيار موظفي العلاقات العامَّة يستند إلى عدَّة مبادئ، منها اشتراكه بعدَّة حلقات وتدريبات في معاهد ومدارس متخصِّصة بهذا المجال، بالإضافة إلى شهادة التخصُّص، العمر المهني، الخبرة الكافية في السِّيرة الذاتيَّة، ذات كاريزما عالية من ناحية، فنّ التَّعامل مع الآخرين، وإدارة الحديث وفنّ المجاملة، مهارة المطاولة والصبر مع فريق العمل، نموذجيَّة ومثاليَّة فريق العمل. بل إنَّ بعض المدارس الدبلوماسيَّة أدخلتْ بعض السِّمات، ومنها (الطول، الوزن، الحالة الصحيَّة، الحالة الاجتماعيَّة) بعيدًا عن العلاقات الشخصيَّة والاجتماعيَّة والقبيلة، وغيرها من سلبيَّات التملُّق والنفاق الإداري.

إنَّ العلاقات العامَّة هي من أهمِّ المجالات الوظيفيَّة الَّتي تكُونُ مرآةً وانعكاسًا لجهود جميع العاملين؛ فهي المُمثِّل الرئيس للشركة، فمن خلالها يصل الهدف أو الخدمة إلى الجمهور والناس، كما تهدف بشكلٍ أساس للوصول إلى أكبر عدد من الناس وبكافَّة الطُّرق التقليديَّة والحديثة، ونظرًا لأهميَّة هذا المجال واهتمام أشْهَر الشركات والدول به، والمنافسة على تقديم أفضل الطرق التكنولوجيَّة.

في الختام، تُعَدُّ إدارة العلاقات العامَّة من أهمِّ مجالات فنِّ الدبلوماسيَّة. والدبلوماسي والموظف الناجح على مختلف درجاته، هو مَن يتميَّز بعلاقات وثيقة وطيِّبة مع مختلف رجالات المُجتمع في ساحة عمله، وليس التقوقع في مكتبه.

د. سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت