تقع أهمُّ حواضر الخليج العربي على شواطئ الخليج العربي، بَيْنَ قوَّتین مؤذيتين، هما: (1) العواصف المحمَّلة بالغبار والأتربة الهابَّة من الغرب؛ و(2) الرِّياح الرَّطبة المحمَّلة بالبخار وقطرات الماء المجهريَّة (خانقة، دبقة) من الشرق. هذا ما جعل هذه الحواضر في حال استثنائيَّة نادرة، بكُلِّ معنى الكلمة، الأمر الَّذي أعيا أهمَّ مُخطِّطي المُدُن في العالم على سبيل مواجهة هاتين القوَّتيْنِ المؤذيتيْنِ الضاغطتيْنِ من الشرق والغرب أعلاه.
وإذا ما اقترح مخطِّطو المُدُن ومهندسوها فكرة «الأهلة الخضراء» (الأحزمة الخضراء الأشجار العالية) لِتمتدَّ على الحافَّات الغربيَّة للمُدُن الغربيَّة لِمَنعِ وتخفيفِ وطأة «السموم» الرياح الجافَّة المشبَّعة بالغبار على مُدُننا الخليجيَّة (من البصرة وشمالًا إلى مُدُن سلطنة عُمان جنوبًا)، فإنَّ صحراويَّة التربة (الصفراء (الكثبان) المحيطة بتلك المُدُن، زيادة على عقدة سقاية أشجار «الحزام الأخضر»، المنتظر، منعتْ تحقيق تقدُّم كافٍ لحماية المدينة من قوَّة الريح الجافَّة المنبعثة من صحارى جزيرة العرب الجرداء (ومنها صحراء الرُّبع الخالي) إذ أضنتِ العلماء والمهندسين والمختصِّين وأعيتهم بقدر تعلُّق الأمر بنقلِ الماء من مصادر مياه حلوة (غير مالحة) إلى أجزاء الأحزمة (أو الأهلة) الخضراء المقترحة، ناهيك عن معضلة تحلية مياه الخليج العربي يهدف الاستجابة للحاجات البشريَّة الأساس.
وإذا كانت هذه مُشْكلات مستعصيةً على الإنسان وعلى التقدُّم التقني والعلمي على حدٍّ سواء، فإنَّ أفضل مَن نجح في قهر القوى المؤذية أعلاه، هو الإنسان الخليجي ذاته، ليس لأنَّه يختلف عن بقيَّة البشر في أنحاء العالم المختلفة، ولكن لأنَّه أتْقَنَ تعلُّم الدَّرس التاريخي الَّذي خلَّفه له الآباء والأجداد على سبيل تحقيق هدف «البقاء»، والبقاء للأصلح. هذه خلاصة لا بُدَّ وإن لاحظها جهابذة الهندسة الحضريَّة ومخطِّطو المُدُن الحديثة، إلَّا أنَّهم قلَّما أشاروا إليها، معترفين بقدرات الإنسان الخليجي الاستثنائيَّة على التكيُّف مع بيئته عَبْرَ التاريخ لِيكُونَ تاريخ الإنسان الخليجي هو تاريخ البقاء والصراع بَيْنَ الإنسان وقوى الطبيعة.
أ.د. محمد الدعمي
كاتب وباحث أكاديمي عراقي