الأربعاء 15 أبريل 2026 م - 27 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : من أجل بناء منظومة غذائية مستدامة

أضواء كاشفة : من أجل بناء منظومة غذائية مستدامة
الثلاثاء - 14 أبريل 2026 05:07 ص

ناصر بن سالم اليحمدي

160


لم يَعُدِ الأمن الغذائي قضيَّة تُعنى بالزراعة وحدها، بل أصبح أحد أبرز مؤشِّرات الاستقرار المُجتمعي، وعنوانًا عريضًا لتشابكِ الاقتصاد بالسياسة والموارد بالصراعات.. ففي ظلِّ عالم يزداد توتُّرًا بفعل النزاعات المسلَّحة والتنافس الجيوسياسي والتغيُّرات المناخيَّة برزتْ مسألة الغذاء؛ بوصفها ساحة خفيَّة للصراع وورقة ضغط لا تقلُّ تأثيرًا عن الطَّاقة أو السلاح.. وقد كشفتِ الحروب الأخيرة، سواء المباشرة أو غير المباشرة عن هشاشة سلاسل الإمداد العالميَّة.. فتعطُّل إنتاج الحبوب في مناطق تُعَدُّ سلال غذاء العالم أو تمَّ إغلاق ممرَّات بحريَّة حيويَّة ممَّا انعكس ليس فقط على الدول المتحاربة، بل امتدَّ أثَره إلى دول بعيدة تعتمد على الاستيراد.. وهنا تتجلى المفارقة في دول لم تطلقْ رصاصة واحدة، لكنَّها تدفع ثمن الحرب على موائد شعوبها.

من جهة أخرى أسْهَمتْ هذه الاضطرابات في رفع أسعار الغذاء بشكلٍ غير مسبوق ممَّا أدَّى إلى موجات تضخُّم أرهقتِ الاقتصادات، خصوصَّا في الدول النَّامية.. وأصبح الغذاء عبئًا مباشرًا على المواطن وهو بِدَوْره يؤدِّي إلى تآكل القوَّة الشرائيَّة، واتِّساع فجوة الفقر، وتنامي الشعور بعدم الأمان.. وهكذا يتحول ارتفاع الأسعار من مجرَّد مؤشِّر اقتصادي إلى عامل تهديد اجتماعي قد يزعزع الاستقرار الداخلي.

إنَّ الأمن الغذائي لا يعني فقط توافر الغذاء، بل يشمل القدرة على الوصول إليه واستقراره وجودته.. وعندما تختلُّ هذه الأبعاد تظهر تداعيات عميقة من سُوء التغذية إلى اضطرابات اجتماعيَّة إلى هجرة قسريَّة بحثًا عن موارد أفضل.. من هنا يُصبح تحقيق الأمن الغذائي ضرورة استراتيجيَّة لا رفاهيَّة تنمويَّة.. فهو يُشكِّل أحد أعمدة التنمية المستدامة؛ إذ يرتبط مباشرة بالقضاء على الفقر، وتحسين الصحَّة، وتعزيز التعليم، وتحقيق الاستقرار السياسي.. فالمُجتمع الَّذي يَضْمن غذاءه يَضْمن حدًّا أدنى من الطمأنينة، ويؤسِّس لبيئة قابلة للنُّمو والابتكار.

وهذا المفهوم تداركَتْه سلطنة عُمان منذ فجر نهضتها الحديثة المباركة فقدَّمتْ نموذجًا متدرجًا وواقعيًّا في التَّعامل مع قضيَّة الأمن الغذائي قائمًا على مزيج من التخطيط الاستراتيجي والاستثمار والتقنيَّات الحديثة والتَّعاون الدولي.. وإذا أردنا قراءة هذه الجهود نجد أنَّها تتحرك على عدَّة محاور متكاملة تعكس وعيًا بطبيعة التحدِّيات الجغرافيَّة والمناخيَّة الَّتي تواجهها الدَّولة.. فالسَّلطنة تمتلك مُقوِّمات طبيعيَّة متميزِّة في معظم المحافظات مثل الظاهرة وظفار وشمال الشرقيَّة وولاية قريات بمحافظة مسقط، وغيرها تشمل الأراضي الزراعيَّة وتوفر الموارد المائيَّة، ما يجعلها بيئة جاذبة للاستثمارات في مجالات الأمن الغذائي والتنمية المستدامة. لذلك حرصتْ على التحوُّل من الاعتماد إلى الإنتاج المحلِّي.. حيثُ أدركتْ عُمان مبكرًا مخاطر الاعتماد الكبير على الواردات الغذائيَّة، خصوصًا في ظلِّ الاضطرابات الجيوسياسيَّة؛ لذلك عملتْ على تعزيز الإنتاج المحلِّي.. وقد تجسَّد ذلك في إطلاق عشرات المبادرات والمشروعات ضِمن ما يُعرف بـمختبر الأمن الغذائي، حيثُ تمَّ تخصيص استثمارات كبيرة لدعمِ الإنتاج الزراعي، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد والتوزيع.. وهذا التوَجُّه لا يهدف فقط إلى زيادة الإنتاج، بل إلى بناء منظومة غذائيَّة متكاملة تقلِّل من هشاشة الاقتصاد أمام الأزمات العالميَّة.

كذلك تبنَّتْ نموذج المُدُن الزراعيَّة الذكيَّة الَّذي يَقُوم على إنشاء مجمَّعات إنتاجيَّة تستخدم تقنيَّات حديثة مثل الزراعة المائيَّة والهوائيَّة والاستزراع السَّمكي.. وهذا النموذج يعكس انتقالًا من الزراعة التقليديَّة إلى الزراعة الذكيَّة المستدامة بما يُعزِّز الإنتاجيَّة ويحدُّ من استهلاك المياه.. كما أنَّ هذه المُدُن تُمثِّل بيئة جاذبة للاستثمار، وتُسهم في تحويل القِطاع الزراعي إلى قِطاع اقتصادي تنافسي.

كما عملتِ سلطنة عُمان على تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مصدر واحد للغذاء عَبْرَ تنويع الشركاء التجاريين وتطوير البنية اللوجستيَّة.. وتمَّ تعزيز المخزون الاستراتيجي بما يَضْمن استقرار الإمدادات حتَّى في أوقات الأزمات.. ولم تقتصر الجهود على الزراعة فقط، بل امتدَّتْ إلى الصناعات الغذائيَّة مثل إنشاء مشاريع كبرى لتكرير السكر وإنتاج الغذاء؛ بهدف تحقيق قِيمة مضافة محليًّا وتقليل الاعتماد على الخارج.. وهذا التَّكامل بَيْنَ الزراعة والصناعة يُعزِّز من مرونة الاقتصاد، ويخلق فرص عمل ويدعم الاستقرار الاجتماعي.

ولقد أولتِ السَّلطنة اهتمامًا كبيرًا بالتقنيَّات الحديثة مثل تطوير سلالات زراعيَّة مقاوِمة للظروف المناخيَّة، واستخدام التكنولوجيا الحيويَّة، وتحسين إدارة الموارد المائيَّة، خصوصًا في ظلِّ ندرة المياه والتغيُّر المناخي.. كما أنَّ وجود مراكز بحثيَّة زراعيَّة متعدِّدة يعكس توَجُّهًا نَحْوَ بناء معرفة محليَّة قادرة على دعم استدامة الإنتاج.. ولا ننسى أنَّ السَّلطنة وقَّعت اتفاقيَّات مع منظَّمات دوليَّة مثل منظَّمة الأغذية والزراعة (الفاو) بهدف تطوير السياسات الزراعيَّة، وتعزيز الاستدامة للفترة المقبلة، وهذه الشراكات تمنح عُمان إمكانيَّة الاستفادة من الخبرات العالميَّة، وتدعم قدرتها على مواجهة الأزمات الغذائيَّة المستقبليَّة.. كذلك لا يُمكِن إغفال دَوْر الحوكمة الرشيدة في إدارة هذا الملف حيثُ تُسهم الشفافيَّة وكفاءة التوزيع ومحاربة الهدر في تعزيز كفاءة النظام الغذائي.

إنَّ التجربة العُمانيَّة في تحقيق الأمن الغذائي تكشف عن تحوُّل عميق من مفهوم تأمين الغذاء إلى بناء منظومة غذائيَّة مستدامة.. فهي لا تكتفي برد الفعل تجاه الأزمات، بل تسعى إلى استباقها عَبْرَ التخطيط، طويل الأمد وتكامل القِطاعات وتوظيف التكنولوجيا.

وفي سياق عالم تتزايد فيه التحدِّيات الجيوسياسيَّة تبدو هذه الجهود بمثابة درع وقائي يحمي المُجتمع من تقلُّبات الأسواق والصراعات، ويؤسِّس لاستقرار اقتصادي واجتماعي طويل الأمد يجعل من الأمن الغذائي ركيزةً حقيقيَّة من ركائز التنمية المستدامة.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني