الحوار لُغة الحياة الجميلة ومنهج التواصُل الحقّ، وهو الأداة الأهم في بناء العلاقات الإنسانيَّة السويَّة، وبشكلٍ خاص داخل الأُسرة. غير أنَّ المتأمل في واقعنا الاجتماعي والأُسري المعاصر يلحظ بوضوح أنَّ لُغة الحوار الأُسري باتتْ تعيش حالة من التباينات وتواجه موجة التراجع والاحتضار، في ظلِّ غلبة لُغة المصالح، والاستئثار بالفرص، وغياب اللقاءات الأُسريَّة الحميميَّة، وتكريس الحساسيَّات المفرطة بَيْنَ أفراد الأُسرة الواحدة، إضافةً إلى حالة الانطواء الَّتي يعيشها كثير من الأبناء نتيجة تأثير التقنيَّة ودخولها بقوَّة في تشكيل مسار العلاقات الأُسريَّة وهُوِيَّة بيئة المنزل، مقابل غياب الجديَّة في بناء ثقافة حواريَّة منتِجة ومستدامة قادرة على صناعة التغيير، وإعادة رسم صورة مُتجدِّدة للأُسرة، تُعزّز فيها فرص التقارب، وتُبنى مساحات التَّكامل، وتتَّسع فيها دوائر التَّناغم والتَّآلف.
ولعلَّ المتتبِّع لأسباب ومسبِّبات العديد من المُشْكلات الأُسريَّة المعاصرة والظواهر المُجتمعيَّة الَّتي تتجافى مع السَّمْت والهُوِيَّة والخصوصيَّة العُمانيَّة وتُمارَس ـ وللأسف الشَّديد ـ باِسْمِ الأُسرة أو برضا الوالدين، وما يصاحبها من حساسيَّة مفرطة في العلاقات الأُسريَّة، وضيق في الصدر، وعدم تقبُّل أخطاء الآخرين أو زلَّات كلماتهم وعفويَّة تعبيراتهم، يدرك خطورة هذا الوضع، وتداعياته السلبيَّة على جودة الحياة والعلاقات الاجتماعيَّة، وأنَّ خلْفَ هذه الصورة القاتمة غيابًا واضحًا لثقافة الحوار التفاعلي والتشاركي داخل البيت الأُسري. فإنَّ الحوار، بما يحمله من فرص للنُّمو الإيجابي وتبادل الحديث، ينعكس أثَره مباشرة على مستوى الثقة والشعور الإيجابي، ويُعزِّز قِيَم التَّكامل والبناء، في حين يؤدي غيابه إلى تفاقم المُشْكلات الأُسريَّة والاجتماعيَّة والنفسيَّة، ولا سِيَّما على مستوى الحياة الزوجيَّة، حيثُ إنَّ كثيرًا من قضايا الطلاق والنفقة والنِّزاعات القضائيَّة يَعُود سببها إلى غياب لُغة الحوار الصَّادق القادر على فتحِ نوافذ الأمل، وتجديد المواقف، وبناء مساحات عمل مشتركة.
وقد أدَّى هذا الغياب للحوار في حياة الكثير من الأُسر، أو الصورة الاستهلاكيَّة للحوار المُفضي إلى النزاع والخصام وليس التَّكامل وصناعة القرار، أدَّى إلى ارتفاع معدَّلات النزاعات الأُسريَّة، وتزايد قضايا الطلاق، والعضل، كما دخلتْ في هذه المُشْكلات قضايا الاستهلاك اليومي، والحُريَّات الأُسريَّة، والديون والإيجارات، إذ يقف غياب ثقافة الحوار خلْفَ كثير من هذه القضايا والتَّبعات المُجتمعيَّة، الأمر الَّذي أصبح تحدِّيًا خطيرًا يعرقل مسار القوَّة في التكوين الأُسري، كما يعيق تقاسم المسؤوليَّات، ويضعف بناء الأُطر المشتركة، ويحدُّ من فرص التقارب والأخوَّة والبناء على المشتركات.
كما أسْهَمتْ حالة الانسحاب ـ تجنبًا للمواجهة أو عدم تحمُّل المسؤوليَّة ـ الَّتي باتتْ سِمةً سائدة في العلاقات الأُسريَّة، سواء هروبًا من الطلبات الاجتماعيَّة المتزايدة، أو نتيجة غياب فِقه الحوار ومهارات التواصل رغم توافر القنوات الدَّاعمة لها، في تعميق الفجوة بَيْنَ أفراد الأُسرة، ناهيك عن انشغال ربِّ الأُسرة أو الأُمِّ عن أبنائهم، وعدم الاكتراث بالاستماع إليهم أو التعرف على تفاصيل واقعهم اليومي، في مقابل ارتفاع حساسيَّة الأبناء من أيِّ نقدٍ أو توجيه أبَوَي.
ومع القناعة بأنَّ بناء حوار أُسري مستدام ليس أمرًا يسيرًا، إلَّا أنَّه ممكن التحقق متى ما توافرت الإرادة والصبر والتحمُّل، وتعزَّزتِ الثقة، وتأصَّل مفهوم أعمق للشعور الجمعي والوعي بالقِيمة المضافة الناتجة عن الحوار، وتمَّ التنازل عن سقوف التوقُّعات المرتفعة، وتهيَّأت بيئة تواصليَّة حميميَّة تَضْمن الوصول إلى أهداف وغايات مشتركة؛ لذلك لم يَعُدِ الحوار مسألة مزاجيَّة أو خيارًا ثانويًّا، يمارس في إطار من الرَّغبة والظروف والمبرِّرات، بل سلوكًا اجتماعيًّا له أُطره وقواعده ومبادئه الَّتي ينبغي أن تتحول إلى ممارسات عمليَّة ونماذج مضيئة وقدوات تُمارس الحوار على الأرض وتنقله من الدبلوماسيَّة إلى التزام يمشي على الأرض.
ورغم أنَّ التقنيَّات الحديثة أسْهَمتْ في تعميق الفجوة بَيْنَ أفراد الأُسرة في ظلِّ ما أتاحته من فرص وخيارات وبدائل تلقي الأبناء في أحضانها، إلَّا أنَّها في الوقت ذاته يُمكِن أن تتحول إلى أداة فاعلة في تعزيز التواصُل وتمكين نسج خيوط الالتقاء والتواصُل إذا ما أُحسن توظيفها، الأمر الَّذي يستدعي جهدًا وطنيًّا مؤسَّسيًّا لتعزيز ثقافة الحوار في بيئات الأُسرة، والمدرسة، والمؤسَّسات التعليميَّة الأخرى، من خلال حوكمة الحوار وتعظيم ممارسة الحوار الهادف، القائم على الهدوء والذَّوق والاحترافيَّة، ومراعاة مشاعر الآخرين، وتقوية عناصر الثقة، وخلق شعور إيجابي يَضْمن نُمو هذه اللُّغة التواصليَّة واستدامتها. عَبْرَ تَبنِّي إطار عمل وطني في تعزيز لُغة الحوار داخل الأُسرة وفي بيئات العمل ومواقع التعليم والتعلُّم والانتقال من التوعية والتثقيف التنظيري إلى إيجاد برامج موجَّهة للأُسرة وبرامج موجَّهة للشَّباب قَبل بدء الزواج وما يعنيه ذلك من التزامات ومسؤوليَّات وحوار وثقة وصفاء النفْس وتقبُّل الآخر، واحتواء ما يتمُّ طرحه والاستماع إليه، وتعظيم الهاجس الجمعي لنُموِّ هذه العلاقة بما تبنيه من أنماط الحياة السعيدة والرفقة الزوجيَّة المباركة.. هذا الأمر من شأنه أن يعظِّم في حياة الشَّباب والمتزوجين والأُسرة قِيمة الأُسرة وأهميَّة الحوار في رسم معالم نُموِّها وصمودها وقوَّتها، وعندها تُصبح لُغة عمل لها شروطها وبرامجها وأدواتها وآليَّات تنفيذها.
من هنا يأتي التساؤل: كيف يُمكِن توليد قناعة ذاتيَّة لدى أفراد الأُسرة بأهميَّة التواصل والحوار بَيْنَ الآباء والأبناء، وبَيْنَ الأبناء بعضهم مع بعض عَبْرَ استثمار فرص التقارب الزماني والمكاني؟ وكيف يُمكِن توظيف التقنيَّة والمنصَّات الاجتماعيَّة في تبسيط لُغة الحوار والتواصُل العائلي، والمشاركة في المناسبات الاجتماعيَّة كالأفراح والأتراح واللقاءات العائليَّة؛ لِمَا لها من أبلغ الأثر في رفع مستوى الحوار الأُسري، وتعميق مساحات النقاش، وتقريب الأفهام، وإنعاش الروح، وبناء الثقة، والتقليل من ردَّات الفعل السلبيَّة، وتعظيم أخلاقيَّات وأدب الحوار مثل: الإنصات والابتسامة والبشاشة، واللُّطف في الخِطاب، واحترام المشاعر؛ لِمَا لها من دَوْر محوري في ترسيخ لُغة الحوار، واستحضار السَّمْت العُماني وقِيَم الإسلام في توقير الكبير والعطف على الصغير في حضرة كبار السِّن في الأُسرة؛ لِمَا يُشكِّلونه من قِيمة مضافة في نقل الخبرة، وتعزيز الألفة، وإضفاء طابع الحميميَّة على العلاقات الأُسريَّة، بما يَضْمن مزيدًا من التَّماسُك والتَّناغم؟
ومن هذا المُنطلَق، فإنَّ الحوار النَّاجح هو الَّذي يَقُوم على أُطر ومبادئ واضحة، تُؤسِّس لها برامج التعليم، من خلال بيئات تعلُّم تحاكي مفهوم الحوار، وقوانين وتشريعات تصنع البدائل والخيارات الَّتي تجعل الحوار خيارًا استراتيجيًّا في حلِّ المُشْكلات. كما يستدعي ذلك تربية الأبناء على آداب الحوار النفسيَّة واللفظيَّة والعلميَّة، وتدريبهم عليها عَبْرَ نماذج عمليَّة وتطبيقات واقعيَّة. الأمر الَّذي يؤكِّد على أهميَّة تَبنِّي سياسات وطنيَّة تُعظِّم من شأن الحوار، وتدعم الأُسرة عَبْرَ تقوية مسارات الدَّعم الأُسري، وتقليل الفجوة الناتجة عن ضغوط العمل والظروف الاقتصاديَّة، بما يُعزِّز أنماط الحوار داخل الأُسرة العُمانيَّة. فإنَّ ما يتَّسم به المُجتمع العُماني من هُوِيَّة حضاريَّة راسخة قائمة على التعدُّديَّة والتَّسامح والحوار، تُشكِّل أرضيَّة خصبة لتعظيم حضور الحوار في ثقافة المُجتمع، واستنطاق القِيَم الإيمانيَّة الدَّاعمة للتَّكافل الاجتماعي، واستنهاض الروح الإيجابيَّة لدى الفرد والمُجتمع في مواجهة الظواهر المُجتمعيَّة والفكريَّة السلبيَّة كالشَّائعات، والاحتيال، والابتزاز، والنزوع إلى الفردانيَّة وفرض الرأي، وهي جميعها نتاج مباشر لغياب الحوار الاجتماعي وثقافة احترام الرأي وفَهْمِ الآخر.
أخيرًا، فإنَّ ما تشهده أروقة المحاكم من قضايا أُسريَّة وعائليَّة كان من الممكن أن تُحلَّ بالحوار، وتُسترَ بالحوار، وتُطفأَ جذوة الأحقاد والكراهيَّات والضغائن بالحوار، وما تحمله هذه المؤشِّرات من دلالات، أمر محزن جدًّا، وتثير في نفْس الغيور على عِرضه المخلِص لوطنه وأُمَّته مشاعر الذهول والقلق. فإلى أين تتَّجه الممارسات الأُسريَّة في ظلِّ تزايد هشاشة العلاقات الاجتماعيَّة، وتباين المواقف وتراكم الخلافات وزيادة حدَّة الظواهر المُسيئة لأخلاق المُجتمع وقِيَمه ومبادئه وهُوِيَّته؟ وكيف يُمكِن توظيف الأُطر والمنهجيَّات الَّتي أطَّرتها منظومة الدَّولة ومؤسَّساتها في سبيل حماية الأُسرة والمحافظة على استدامة الحوار والعلاقات الزوجيَّة عَبْرَ لجان التوفيق والمصالحة، وتعظيم أثَرها في الحدِّ من فجوة هذه العلاقة؟ وكيف نصنع علاقة ممتدَّة وجسورًا متواصلة مع ما أسَّسه السَّلف الصَّالح من أبناء هذا الوطن في قَبولهم الزواجي، وبنائهم الاجتماعي، وترابطهم العائلي، وتسامحهم الفكري والأخلاقي، حيثُ أرسوا معايير القوَّة، وأسَّسوا منهج السَّلام، وبنوا منصَّات الحوار فأسَّسوا أُسرةً سعيدة، وعاشوا حياةً مَجيدة في كنَفِ السَّلام الدَّاخلي والاحتواء العائلي؟
د.رجب بن علي العويسي