الأربعاء 15 أبريل 2026 م - 27 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : شراكات تصنع النفوذ وتمتد إلى إفريقيا

الثلاثاء - 14 أبريل 2026 03:04 م

رأي الوطن

170


تكشف زيارة فخامة رئيس جمهوريَّة بوتسوانا دوما جيديون بوكو إلى سلطنة عُمان، ولقاؤه بحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ عن ملامح مرحلة جديدة تتحرك فيها السياسة الخارجيَّة وفْقَ منطق اقتصادي متكامل، حيثُ تتقدم الشراكات الاستثماريَّة إلى صدارة أدوات بناء العلاقات الدوليَّة في إطار رؤية تستهدف تحقيق مصالح مشتركة قابلة للنُّمو والاستدامة. ويتجسَّد هذا التَّوَجُّه في الحضور الفاعل الَّذي يَقُوده جهاز الاستثمار العُماني بوصفه ذراعًا تنفيذيَّة تربط بَيْنَ القرار السياسي والفرص الاقتصاديَّة عَبْرَ تحريك استثمارات نوعيَّة تتَّجه نَحْوَ قِطاعات الطَّاقة والتَّعدين والخدمات اللوجستيَّة، بما يفتح مسارات جديدة للتكامل الاقتصادي ويُعزِّز من قدرة السَّلطنة على توسيع حضورها في الأسواق الناشئة، ويؤسِّس لنموذج يعتمد على صناعة القِيمة وتصدير الخبرات بدل الاكتفاء بِدَوْر المتلقِّي للاستثمار، كما يعكس إدراكًا عميقًا لطبيعة التحوُّلات العالميَّة الَّتي تُعِيدُ تشكيل موازين القوَّة وفْقَ معايير اقتصاديَّة مَرِنة، تتداخل فيها المصالح مع الاستراتيجيَّات طويلة الأمد، وتتحول فيها العلاقات الثنائيَّة إلى منصَّات إنتاج حقيقيَّة قادرة على تحقيق عوائد متبادلة، وترسيخ حضور مستدام يتجاوز حدود الجغرافيا لِيصلَ إلى التأثير في مسارات التنمية الإقليميَّة والدوليَّة.

ويُمثِّل تسارع وتيرة التَّعاون بَيْنَ سلطنة عُمان وجمهوريَّة بوتسوانا نموذجًا عمليًّا لإدارة العلاقات الدوليَّة بعقليَّة الإنجاز، حيثُ قادتْ مباحثات القادة بَيْنَ حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم وفخامة الرَّئيس دوما جيديون بوكو إلى ترجمة التفاهمات السياسيَّة إلى اتفاقيَّات نوعيَّة ومشروعات قَيْد التنفيذ خلال فترة زمنيَّة قصيرة، بما يعكس نهجًا يعتمد على ربط القرار السياسي المباشر بمسارات تنفيذ واضحة، ويُعزِّز من مصداقيَّة الشراكات القائمة على النتائج لا الوعود. ويظهر هذا التَّوَجُّه في الاتفاقيَّات الَّتي شملتْ قِطاعات حيويَّة كاستكشاف المعادن، وتطوير مرافق تخزين المنتجات النفطيَّة، وبناء محطَّات الطَّاقة الشمسيَّة، وهي قِطاعات ترتبط مباشرة بإعادة تشكيل البنية الاقتصاديَّة للدول، وتمنح هذا التَّعاون بُعدًا استراتيجيًّا يتجاوز حدود التَّعاون التَّقليدي إلى بناء منظومات إنتاج مشتركة، كما يعكس قدرة المؤسَّسات العُمانيَّة على التحرُّك بكفاءة في البيئات الدوليَّة، وتحويل الفرص إلى مشاريع قابلة للتطبيق، بما يرسِّخ نموذجًا جديدًا في إدارة الشراكات الدوليَّة يَقُوم على السُّرعة والدقَّة والقدرة على التَّنفيذ، ويُعزِّز من حضور السَّلطنة كلاعب اقتصادي يمتلك أدوات التأثير في الأسواق النَّاشئة.

إنَّ التَّركيز على قِطاعات الطَّاقة والتَّعدين ضِمن مسار التَّعاون بَيْنَ سلطنة عُمان وجمهوريَّة بوتسوانا يعكس توَجُّهًا استراتيجيًّا يجعل من الاستثمار الخارجي أداةً مباشرة لتعزيزِ الأمن الاقتصادي، حيثُ تتحول مشاريع الطَّاقة، وفي مقدِّمتها مبادرات شركات مثل (OQ Group)، إلى منصَّات لبناءِ نفوذ طويل الأمد قائم على التحكُّم في سلاسل الإمداد وتطوير البنية الأساسيَّة، بما يَضْمن استدامة العوائد ويدعم استقرار الأسواق، ويفتح في الوقت ذاته مسارات واسعة أمام الشركات العُمانيَّة للتوسُّع خارج حدودها الجغرافيَّة عَبْرَ تصدير الخبرات والخدمات والدخول في شراكات إنتاجيَّة تُعزِّز من قدرتها التنافسيَّة. ويُعِيدُ هذا التَّوَجُّه صياغة مفهوم الاستثمار من كونه تدفقًا ماليًّا إلى كونه أداةً لصناعة القِيمة وتوسيع الحضور الاقتصادي. كما يعكس إدراكًا متقدِّمًا بأنَّ الأمن الاقتصادي في مرحلته الحديثة يرتبط بقدرة الدول على بناء شبكات تأثير خارجيَّة تدعم مصالحها، وتمنحها مرونة أعلى في التَّعامل مع تقلُّبات الأسواق العالميَّة، وتؤسِّس لمرحلة يُصبح فيها التوسُّع الخارجي جزءًا أصيلًا من استراتيجيَّة النُّمو المستدام.

ويرسِّخ التَّعاون بَيْنَ سلطنة عُمان وجمهوريَّة بوتسوانا توَجُّهًا استراتيجيًّا نَحْوَ القارَّة الإفريقيَّة؛ باعتبارها واحدةً من أهمِّ ساحات النُّمو المستقبليَّة، حيثُ تتَّجه السَّلطنة إلى بناء شراكات تَقُوم على نقلِ المعرفة وتطوير القدرات إلى جانب الاستثمار المالي، بما يُعزِّز من استدامة هذه العلاقات ويحوِّلها إلى منصَّات إنتاج حقيقيَّة قادرة على تحقيق قِيمة مضافة للطرفين. ويظهر ذلك بوضوح في المشروعات الَّتي تستهدف دعم تحوُّل بوتسوانا إلى دولة مصدِّرة للطَّاقة وتعزيز قدراتها في قِطاع التَّعدين، وهو ما يمنح هذه الشراكة بُعدًا يتجاوز حدود التَّعاون الاقتصادي إلى المساهمة في إعادة تشكيل مسارات التنمية داخل الدول الشريكة، ويؤكِّد أنَّ الحضور العُماني في إفريقيا يتحرك وفْقَ رؤية بعيدة المدى تسعى إلى صناعة فرص مشتركة وبناء نفوذ قائم على الشراكة المتوازنة، بما يفتح آفاقًا أوسع أمام الاقتصاد الوطني للتوسُّع في الأسواق الناشئة، ويُعزِّز من موقع السَّلطنة كلاعب اقتصادي يمتلك القدرة على التأثير في معادلات النُّمو الإقليمي والدّولي، ويضع نموذجًا مختلفًا في إدارة العلاقات الدوليَّة قائمًا على صناعة القِيمة وترسيخ المصالح المستدامة.