الأحد 19 أبريل 2026 م - 1 ذو القعدة 1447 هـ
أخبار عاجلة

محمد العبري : الشاعر لا ينظر للجغرافيا كحجر وشجر.. بل كأثر فاعل فـي الروح

محمد العبري : الشاعر لا ينظر للجغرافيا كحجر وشجر.. بل كأثر فاعل فـي الروح
الاثنين - 13 أبريل 2026 02:12 م
50

حاوره ـ وحيد تاجا:

في هذا الحوار، نفتح آفاق التميز مع الشاعر محمد بن سيف العبري، أحد الأسماء التي استطاعت مزج رصانة اللغة بتجدد الصورة الشعرية. نرحل معه بين تفاصيل الجبال والوديان التي تحولت في قصائده إلى كائنات حية تنبض بالعاطفة، ونناقش رؤيته للقصيدة العمودية كـ (كبرياء) وهوية، وصولاً إلى إيمانه العميق بدور الشاعر كحارس للقضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. حوار يفتش في فلسفة الكتابة، وتأملات الذات الشاعرة في عالم متسارع. 

 تظهر جغرافيا سلطنة عُمان، وخاصة وادي السحتن ونزوى والجبال، في شعرك ككائن حي يتنفس، كيف يستطيع الشاعر تحويل (الجبل الصلد) بجموده إلى (عاطفة ليّنة) في قصيدة وجدانية؟

لا ينظر الشاعر إلى الجغرافيا بمكوناتها من حجر وشجر، وإنما ينظر إلى أثرها الفاعل في نفسه، وانفعالاتها في روحه، ومدى قربها إليه، لتشكّل شعورًا وجدانيا فيه، فيرى في الحجر صلابة، وفي الماء حياة، وفي ظل الشجر سكينة.

 في ظل هيمنة قصيدة النثر على المشهد الحداثي ، كيف تنظر إلى (جماليات القيد) في القصيدة العمودية؟ وهل التمسك بالعمود الخليلي هو صون للهوية الشعرية، أم أن النثر عجز عن ملامسة وجدان القارئ بنفس قوة الوزن والقافية؟

القصيدة العمودية لها طابعها الخاص، ونظامها العجيب الذي لا يتقنه إلا أربابه، وإيقاعها الذي تتراقص معه قلوب القراء والسامعين إذا أحكم سبكها، وتعمقت صورها، ولبست روح قائلها. وهي بكل كبريائها هوية للأدب العربي، فلا أسميها قيودًا وإنما نظام محكم يتبارى الشعراء فيه، وأما في سرعة انتشار النثر ليس لعيب في القصيدة العربية وإنما عائد إلى الناظر إلى سواها. ولكل نوع عشاقه ومريدوه.

 تُوصف كتاباتك بأنها ذات (أصالة في المظهر وحداثة في المخبر)، كيف تنجح في ضخ دماء صور شعرية حديثة داخل أجساد بحور شعرية قديمة كالطويل والكامل دون أن يحدث تصادم موسيقي؟

هذا الوصف وسام على صدري، والشاعر لا يستطيع أن يحكم على نصوصه وإنما يسمعه من المتلقي فلهم جزيل الشكر والتقدير، وإن كان كذلك فهو دليل واضح على أن القصيدة العمودية متجددة في روحها وموضوعاتها وصورها، وما يحدث من ابتكار في غيرها يحدث فيها إلا أنها حافظت على شخصيتها المتمنّعة، ولا يحدث التصادم إلا إذا قلّت الإمكانات، وخفَت الشعور، وكثر التصنّع.

 في عنوان قصيدتك (عميق كتنهيدة عشق)، نلمس صورة مكثفة تجمع بين العمق الفيزيائي والزفير الوجداني، كيف وُلد هذا العنوان في ذهنك؟ وهل تنهيدة العشق هنا هي حالة خلاص إنساني أم عبء جميل يثقل كاهل الشاعر؟

هذا العنوان يختصر الحالة الشعورية العميقة في حب اللغة العربية المنبعث من الأعماق، الساكن في كل الخلايا الذي يخلق نفَسًا محمّلا بعشق عجيب تُرى ملامحه في هذا النص وهي حالة خلاص إنساني مرتبط بهويته وكيانه، وليس عبئًا يثقل كاهل الشاعر، وإن كان عبئًا فهو كما تفضلت جميل.

 نلاحظ في قصيدة (عميق كتنهيدة عشق) أن الإيقاع هادئ جداً يشبه فعل (التنهيدة) ذاتها، هل تتعمد أن تعكس الموسيقى الداخلية الحالة الشعورية للنص؟ وكيف تقود الوزن ليخدم اللحظة الوجدانية دون أن تضحي بمرونة المعنى؟

الإيقاع الهادئ في هذا النص هو تلذذ واستمتاع بالتغني بهذا الكائن المحلّق، النابع من الداخل، والمسافر بك في عوالمه، المتراقصة معه تنهيداتك، المنسابة موسيقاه من تلقاء نفسها، النافذة إلى كل جميل، وما اتفاق الوزن ومرونة المعنى إلا من صدق هذه اللحظة الوجدانية التي أخذت بتلابيب القلب.

 في نصوصك، تبدو الذات (متأملة) أكثر منها (منفعلة)، فهل الشعر بالنسبة لمحمد العبري هو وسيلة للهروب من ضجيج العالم المعاصر، أم هو محاولة لإعادة ترتيب فوضى هذا العالم؟

الحياة كلها تأمل، والشاعر جزء من هذه الحياة تمسّه تقلّباتها، والشعر متنفّس عجيب في التأمل والانفعال، ومحاولة ترتيب فوضى العالم ضرب من المستحيل، والهروب من ضجيجه مركب سهل وطيء.

 ما الذي تبحث عنه في القصيدة: التطهير، الكشف، أم إعادة تشكيل العالم؟ وهل ترى أن القصيدة الوجدانية ما زالت قادرة على ملامسة القارئ في ظل التحولات الرقمية وزمن السرعة؟

إعادة تشكيل عالمك الخاص لا ينتهي فهي يظل ملازمًا لك ما دمت تتنفّس فهو مراد الشاعر وغيره، وأما ما أبحث عنه فالنصوص مختلفة في مشاعرها وموضوعاتها فقد يكون بعضها تطهيرًا، وبعضها كشفًا، وبعضها ادعاءً بإعادة تشكيل العالم، والتحولات الرقمية وزمن السرعة لا تغيران شيئًا في شعور الإنسان وإحساسه لتظل القصيدة نافذة إليهما، مؤثرة عليهما، مسافرة بهما.

 تؤكد أن القضية الفلسطينية هاجس يؤرق الكلمة الحرة، وأن الشعر هو (الحارس لأحداثها)، كيف يوازن الشاعر العماني بين جمالية النص الشعري وبين ضرورة غرس هذه القضية في النشء كمبدأ وعقيدة وحياة؟

القضية الفلسطينية هي قضية وطنية ودينية وعقدية لا يمكن أن ينفلت المنتمي إليها، والعماني شاعرا وغيره جزء من هذا الانتماء يدافع عنه بكل ما يملك، وبما أن الشاعر سلاحه الحرف فلا بدّ أن يصوبه إلى عدوه المتربص به فلا يحيد عنه قيد أنملة، وليحرس كل الحرس ألا يؤتى من قبله شيء، والممتنع عن استعماله يراجع نفسه، فليجعل من شعره سلاحًا، ومن صوته نداء، ومن روحه فداء تجاه هذه القضية التي تثير كل حر شريف وليس المسلمين فقط، والشاعر العماني ولله الحمد استطاع أن يوظف هذا السلاح توظيفا دقيقا لأن هذه القضية تشغله فأخذت من روحه وقلبه، وكل ما جاء من القلب كان عميقا وجميلا ومؤثر، فاستطاع أن يغرسه في قلوب الناشئة فرددوه في مجالسهم وأنديتهم ومساجدهم ومدارسهم ليكون لهم مبدأ متمسكا به عقيدة وحياة.

القصيدة العمودية ليست قيودا.. بل هي نظام محكم وهوية للأدب العربي