خلال الأيام الماضية، استحضرت نقاشًا سابقًا جمعني بالبروفسور جان لوب شابليه - حول مدى تأثير العامل السياسي على ملفات استضافة الألعاب الأولمبية، وتحديدًا ملف 2036 أكد لي حينها بأن المعيار السياسي لم يعد عنصرًا ثانويًا، بل بات أحد أهم مفاتيح تقييم الجاهزية، خصوصًا فيما يتعلق بالأمن والاستقرار، وهما ركيزتان أساسيتان لأي دولة تطمح لتنظيم حدث عالمي بهذا الحجم.
ومن هنا يبرز التساؤل: إلى أي مدى يمكن أن تؤثر التوترات والحروب على فرص بعض الدول الخليجية، في الفوز بشرف استضافة الألعاب الأولمبية 2036؟
لا شك أن المنطقة تمر بمرحلة حساسة، وقد يرى البعض أن أي توتر سياسي قد يضعف حظوظها، أو يمنح منافسين من آسيا أو إفريقيا فرصة التقدم. بل إن هناك من قد يستغل هذه الظروف لتشويه صورة الملفات الخليجية، في محاولة “للصيد في الماء العكر”، وتعزيز فرص بلدانهم فهذا أمر وارد جداً .
لكن، في المقابل، يبدو من غير المنصف الحكم على ملفات متكاملة وطموحة بناءً على ظروف سياسية قد تكون مؤقتة أو عابرة. فالتاريخ الأولمبي يُظهر أن القرارات لا تُبنى على اللحظة الراهنة فقط، بل على رؤية طويلة المدى تمتد لسنوات، خاصة وأننا نتحدث عن استضافة يفصلنا عنها قرابة عقد من الزمن، وهي فترة كفيلة بتغيير الكثير من المعطيات ، كما اننا ندرك مدى قوة السياسة وتأثيرها الا ان – البرغماتية – الرياضية لها راي اخر في ذلك ، فالتاريخ يشهد على دعم الاولمبية الدولية لاستضافة برلين لاولمبياد 1936 على الرغم من حكم ادولف هتلر في ذلك الوقت والضغط الدولي على سحبها ، بالاضافة ومقاطعة روسيا عام 1980 ومقاطعة الاتحاد السوفييتي لاولمبياد لوس انجلوس عام 1984 ، اما الدولة الوحيدة التي سحبت منها الاولمبياد هي اليابان عام 1940 بسبب حربها على الصين ومثل ثم الغائها تماماً – بسبب الحرب العالمية الثانية -.
وبالعودة الى ملف قطر ، تُعد – وفق التقارير – من أكثر الدول جاهزية، مستفيدة من إرث تنظيمي ضخم بعد نجاحها في استضافة الأحداث الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم وهو ما منحها خبرة عملية وبنية تحتية متقدمة وحصلت على اثرها تنظيم اسسايد عام 2030 . كما أن السعودية، عبر رؤية السعودية 2030، تسير بخطى متسارعة نحو تعزيز حضورها الرياضي العالمي من خلال استثمارات ضخمة ومشاريع نوعية
وعلى الرغم من أن اللجنة الأولمبية الدولية تأخذ بعين الاعتبار عوامل الاستقرار السياسي، إلا أنها في الوقت ذاته تعتمد على تقييم شامل يتضمن الجاهزية الفنية، والدعم الحكومي، والإرث الرياضي، والقدرة التنظيمية
من هنا، فإن ربط مصير ملف 2036 بتقلبات سياسية آنية قد يكون قراءة قاصرة. فالدول لا تُقيَّم بلحظة، بل بمسار كامل من الاستقرار والعمل والتخطيط
وفي تقديري، إذا ما كُتب لإحدى دول الخليج استضافة هذا الحدث العالمي، فإنها ستقدم نموذجًا استثنائيًا في التنظيم، وستوفر أعلى درجات الأمن والأمان، بما يعكس صورة المنطقة الحقيقية كوجهة قادرة على احتضان كبرى الفعاليات العالمية
ختامًا، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنتصر الجيوسياسة على الطموح الرياضي؟ أم أن الزمن كفيل بإعادة ترتيب المشهد، ليمنح الفرصة لمن يستحقها فعلًا؟
الأيام وحدها كفيلة بالإجابة
طلة :
ما تدمره السياسة ، تعمره الرياضة
زينب الزدجالية
إعلامية رياضية عمانية