الخميس 16 أبريل 2026 م - 28 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

الاستقرار الذي يبحث عنه الجميع

الاستقرار الذي يبحث عنه الجميع
الاثنين - 13 أبريل 2026 05:42 ص

إبراهيم بدوي

20


تعودتُ نتيجة العمل في مجال الصحافة، ألَّا أثق في الأرقام المعلنة بشكلٍ مطلق؛ لذا أتعامل معها بحذر شديد، فالتجربة خلَّفت بداخلي قناعة مفادها أنَّ كُلَّ رقم يحمل حكاية أكبر منه، حكاية أقرؤها دُونَ اندفاع وأترك مساحة بَيْنِي وبَيْنَها تسمح لي بفهم ما وراءها؛ لأنَّني أدرك أنَّ التقارير كثيرًا ما تنجح في قول ما يريد كاتبها فإبراز هذه الزاوية قد يخفي زوايا أخرى. ولهذا لا أتعجل التصديق ولا أندفع إلى الرفض، أراقب فقط وأحاول أن ألتقط الإحساس العام الَّذي يحيط بالمشهد، ذلك الإحساس الَّذي يتشكل بهدوء داخل تفاصيل الحياة اليوميَّة، في حركة الأسواق، في لُغة الناس، وفي الطريقة الَّتي يتحدث بها الجميع عن المستقبل، مع الوضع في الاعتبار مَن يحاولون طمس أيِّ إنجاز؛ لذا أبحثُ دومًا عن طمأنينة تأتي من اتِّساق الصورة ككُلٍّ، من شعور بأنَّ هناك مسارًا واضحًا يتحرك بثبات دُونَ ارتباك، وأنَّ هذا الهدوء الَّذي يحيط بالمشهد يُعَبِّر عن إدارة تعرف كيف تضبط الإيقاع دُونَ أن ترفعه، وتدرك أنَّ الاستقرار الحقيقي يبنى بالتراكم والصبر والقدرة على اتِّخاذ القرار في التوقيت المناسب، وهو ما يستدعي تضافر جهود الجميع حكامًا ومحكومين.

ومع ظهور النشرة الربعيَّة لأداء الاقتصاد العُماني الصادرة عن وزارة الاقتصاد، حدَث معي نفْس الحالة، فلم أقرأ الأرقام بمعزل عن فهمٍ للحالة. صحيح أنَّ الأرقام مدعومة بشهادات من كبرى المؤسَّسات الائتمانيَّة العالميَّة مثل (فيتش) الَّتي رفعت التصنيف الوطني إلى الجدارة الاستثماريَّة مع نظرة مستقبليَّة مستقرة، و(ستاندر آند بورز) الَّتي تحدثتْ عن نفْس المستوى من الجدارة الاستثماريَّة والنظرة المستقبليَّة المستقرة، بالإضافة إلى رفع (موديز) التصنيف الائتماني بِدَوْرها، ما يعكس تواترًا عالميًّا يؤكد قوَّة المركز المالي العُماني. ورغم تلك الشهادات المتواترة والموثوقة، إلَّا أنَّني لا أزال أبحث عن المردود الإنساني، والَّذي يُعَبّر عنه دائمًا مؤشِّر التضخم، الَّذي شهد ارتفاعًا طفيفًا لِيصلَ إلى أقلَّ من (1%) عام 2025م، وهو ما يجعلني أرى أنَّ الاستقرار هنا أصبح حالة تُعاش وتُلْمس في التفاصيل الصغيرة والأرقام، حالة تمنحك شعورًا بأنَّ هذا المسار لا يبحث عن إثبات نفْسه؛ لأنَّه ببساطة يعرف أنَّه يَسير في الاتِّجاه الصَّحيح، بوعي يبحث عن تكامل التقدم في الوضع الاقتصادي للوطن والمواطن في آنٍ واحد. فالفلسفة السَّامية لجلالة السُّلطان المُعظَّم راعتْ ـ رغم التحدِّيات والظروف، الَّتي أثَّرت على العالم أجمع ـ الموازنة بَيْنَ الملفات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، وهو ما تَحقق وتؤكده شهادات القاصي والدَّاني.

إنَّ وضع هذه المؤشِّرات المحليَّة في سياقها الدولي يكشف مفارقة لافتة تستحق التأمل، فبَيْنَما يسجِّل الاقتصاد العالمي نُموًّا عند حدود (3.3%) محاطًا ببيئة مشحونة بالتوتُّرات الجيوسياسيَّة وتباطؤ التجارة وديون تتجاوز (348) تريليون دولار. ويظهر المشهد وكأنَّه يتحرك فوق أرض غير مستقرة، نُمو حاضر تحاصره مخاطر مفتوحة على احتمالات متعدِّدة، نجد الأداء الاقتصادي في سلطنة عُمان يتشكل داخل معادلة مختلفة تقوم على إدارة التوازن أكثر من ملاحقة الأرقام، حيثُ يتراجع الاعتماد النسبي على النفط لصالح نُمو الأنشطة غير النفطيَّة، ويتحرك التضخم في نطاق آمِن، وتتدفق الاستثمارات بثقة تعكسها تقييمات مؤسَّسات دوليَّة كبرى، وهو ما يخلق حالة من الاستقرار لا ترتبط فقط بمؤشِّر واحد، وإنَّما باتِّساق مجموعة من المؤشِّرات الَّتي تدعم بعضها البعض. وهنا تتضح الفجوة بَيْنَ نموذج عالمي يسعى للحفاظ على وتيرة النُّمو رغم الضغوط، ونموذج محلِّي يركِّز على بناء استقرار قابل للاستمرار حتَّى في ظل هذه الضغوط، لتتحولَ المقارنة من مجرَّد أرقام متقابلة إلى اختلاف في الفلسفة ذاتها، بَيْنَ اقتصاد يُدير أزماته، واقتصاد يبني مساره بثقة تعرف حدودها وتدرك كيف تتعامل مع عالم سريع التقلب.

وأنا هنا أتابع إحساسي، فهذه المقاربة تضعني أمام قناعة تتشكل بثبات مع قراءة تفاصيل المشهد في عُمان، قناعة ترى أنَّ ما يحدُث يتجاوز حدود إدارة لحظة اقتصاديَّة إلى بناء نموذج متماسك يراهن على الاستدامة ويؤسِّس لمرحلة أكثر نضجًا، حيثُ تتكامل السياسات الماليَّة مع التوجُّهات الاقتصاديَّة في صورة تعكس فهمًا عميقًا لطبيعة المرحلة وتعقيداتها. ويتجلى ذلك في قدرة الاقتصاد على تحقيق توازن دقيق بَيْنَ الحفاظ على الاستقرار المالي وتعزيز النُّمو، وبَيْنَ التعامل مع الضغوط الخارجيَّة وصناعة فرص داخليَّة قادرة على الاستمرار، وهو ما يمنح مسارنا قِيمة تتجاوز الأرقام والمؤشِّرات لِتصلَ إلى بناء ثقة حقيقيَّة تتراكم بمرور الوقت، ثقة تُبنى عَبْرَ رؤية واضحة وإدارة سامية تدرك أنَّ قوَّة الاقتصاد العُماني تُقاس بقدرته على حماية مكتسباته وتوسيعها في آنٍ واحد، وأنَّ النجاح الحقيقي يظهر حين ينعكس هذا الأداء على حياة الإنسان بشكلٍ مباشر ويمنحه شعورًا بأنَّ ما يتحقق جزء من مسار مستقر يعرف كيف يصنع مستقبله بثقة داخل سلطنة عُمان، وذلك عَبْرَ قراءة واعية للحاضر، وتعلم من دروس ونجاحات وإخفاقات الماضي. فالقادم أفضل لِمَن لدَيْه ربَّان يعرف بجينات البحار الَّتي ورثها عن أجداده كيف يدير الدفَّة نَحْوَ مستقبل مشرق تستحقُّه عُمان وأجيالها الحاليَّة والقادمة.

إبراهيم بدوي

[email protected]