لم تَعُدْ عمليَّة إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدَّولة ـ كونها أحَد أهمِّ مرتكزات الإصلاح الإداري ـ مجرَّد إجراء تنظيمي هدفه إعادة توزيع الاختصاصات أو تحديث وترشيق هياكل المؤسَّسات، بل مشروعًا وطنيًّا متكاملًا يستهدف إعادة بناء الفكر الإداري، وصياغة سلوك مؤسَّسي جديد يتناغم مع الأولويَّات الوطنيَّة، وبناء ثقافة مسؤول ومُجتمع وظيفي يُحقق مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، ويستجيب لتطلُّعات مواطن الرؤية، ويواكب التحوُّلات العالميَّة المتسارعة في التحوُّل المؤسَّسي والرَّقمي والإدارة وبنية المؤسَّسات، انطلاقًا من أنَّ الإصلاح الإداري الفاعل والموجّه والمؤطّر لا يُقاس فقط بمدى التغيير في الأشكال والهياكل، وإنَّما بقدرته على إحداث تحوُّل نوعي في القِيَم الحاكمة للسُّلوك الوظيفي، وفي كفاءة الأدوات المستخدمة وفاعليَّتها في رصد الواقع واستشراف المستقبل، وفي مستوى الإنتاجيَّة المحقّقة، والصورة الَّتي يقدِّمها المُجتمع الوظيفي للشركاء في التزامه وكفاءته وأخلاقه وسلوكه وإنتاجيَّته والفرص الَّتي يصنعها والقِيَم الَّتي يحتكم إليها.
ومن هنا نطرح التساؤل: كيف يُمكِن لمنظومة حوكمة القِيَم الإداريَّة والوظيفيَّة والضبطيَّة القِيَميَّة بالمؤسَّسات أن تُسهم في رفع كفاءة الأداء المؤسَّسي، وتعزيز الإنتاجيَّة، والحدِّ من نمطيَّة المظاهر والشكليَّات والظواهر الصوتيَّة الوقتيَّة في بيئة العمل؟
إنَّ الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي فهمًا عميقًا لِدَوْر القِيَم باعتبارها محركًا رئيسًا للسلوك، وأداةً فاعلة في توجيه الأداء، ومنظومة ضابطة تحدِّد بوصلة العمل المؤسَّسي، وتجسِّد قواعد ومعايير السلوك الإداري الرشيد. ذلك أنَّ القِيَم، حين تُقرأ في إطارها النظري أو تُختزل في شعارات فارغة تُعلَّق على واجهات المكاتب وأروقة المؤسَّسات أو تُضمَّن في مقدِّمات اللوائح، تفقد أثَرها، وتتحول ـ بلا شك ـ إلى عبء لا يضيف للمؤسَّسة أيَّ قِيمة حقيقيَّة. وبالتَّالي ما يعنيه ذلك من أهميَّة قياس الأثر الناتج عن هذه القِيَم، باعتباره المحك الَّذي يُمكِن من خلاله بعْث القِيَم في حياة المؤسَّسات لضمانِ قدرتها على التكيُّف مع معطيات الواقع ومستجدَّاته والمتغيِّرات الحاصلة في المفاهيم الإداريَّة والعمليَّات التنظيميَّة أو في القناعات الشخصيَّة والتباينات في فكر الموظف والمستفيد من خدمات المؤسَّسة. أمَّا حين تُحكم وتُدار ضِمن منظومة واضحة المعالم، قائمة على مؤشِّرات قياس دقيقة، وموجّهات مقنَّنة، وآليَّات متابعة فاعلة، فإنَّها تتحول إلى قوَّة تنظيميَّة ناعمة وخفيَّة قادرة على صناعة الأثر وإحداث الفارق.
وهنا تكمن القِيمة المضافة في حوكمة القِيَم المؤسَّسيَّة بما تعنيه من نقلها من دائرة التَّوجيه إلى الفعل، ومن التنظير إلى التطبيق، ومن العموميَّة إلى التحديد والقياس. وعندها تتحول القِيَم من مجرَّد مبادئ عامَّة وأدوار ثانويَّة إلى استراتيجيَّات عمل وبرامج تنفيذيَّة للإنجاز، ومسارات مهنيَّة تمشي على الأرض تجسِّدها جملة القواعد والأُسُس والمعايير والأخلاقيَّات والمبادئ والعادات والتقاليد والتفاعلات المؤسَّسيَّة وفْقَ مرتكزات واضحة وأُطر محدَّدة وأنماط مبتكرة تستهدف رفع درجة الحساسيَّة القِيَميَّة والأخلاقيَّة وتعظيم حضورها في تصرفات وممارسات الموظف والمسؤول، وتأكيد أثرها في نواتج التفاعلات اليوميَّة والمواقف التنفيذيَّة في بيئة المؤسَّسات وأنظمة العمل والقرارات والشراكات والحوافز والإنتاجيَّة.
وفي هذا الإطار، فإنَّ الضبطيَّة القِيَميَّة تُمثِّل أحَد أهمِّ مرتكزات كفاءة الأداء المؤسَّسي، إذ تُسهم في تقليل التباينات في تفسير المسؤوليَّات، وتوحيد السلوك المهني وضبطه، وتعزيز الانضباط الذَّاتي لدى الموظفين، وتوجيه القرار المؤسَّسي نَحْوَ تحقيق الأبعاد الإنسانيَّة والوطنيَّة والمهنيَّة واستشعار قِيمة المورد البشري باعتباره المحرك الأساس لنجاح المنظومة والعامل الجدير بالتقدير. الأمر الَّذي يصنع في حياة الموظف روحًا تغييريَّة متجدِّدة، مدفوعًا بقِيَم الإخلاص والمسؤوليَّة والنزاهة، بما ينعكس مباشرة على جودة أدائه، ويقلِّل من الممارسات غير المنضبطة في ظل حصانة الوعي والرقابة الذاتيَّة والمسؤوليَّة المهنيَّة الَّتي يمتلكها، منسجمة مع قواعد القانون ونصوصه، فتحفظه من الوقوع في المحظور، وتصونه من المخاطرة غير المحسوبة، مستشعرًا إصلاح الذَّات وتقويم الخطأ وإصلاح الاعوجاج وتأنيب الضمير، وتخليص السلوك من شوائب الذاتيَّة والأنا والأنانيَّة والأثَرة والفوقيَّة والفردانيَّة والسُّلطويَّة، وكُلِّ ما يؤدي إلى الهدر في الوقت والجهد والمال والموارد.
إنَّ حوكمة القِيَم المؤسَّسيَّة بذلك محطَّة تحوُّل نوعيّ يُسهم في إعادة توجيه بوصلة العمل المؤسَّسي، وضبط الممارسات الوظيفيَّة، وهندسة المورد البشري وإعادة تصحيح التركيبة الوظيفيَّة بالشكل الَّذي يَضْمن قدرته على إنتاج فكر متوازن، وسلوك أصيل يصنع القدوات والنماذج المؤسَّسيَّة ويحافظ على درجة الصدارة لها كاستحقاق وطني؛ فإذا كانت القوانين موجّهات ضبطيَّة لحماية الحقوق والمسؤوليَّات وتوثيقها والمحافظة عليها، فإنَّ القِيَم محطَّات لاستجلاء القِيمة المضافة من التزام المُجتمع الوظيفي بجوهر المبادئ والقواعد الأخلاقيَّة وتنشيطها وتأطير منهجي لثروة القِيَم في حركة التفاعل اليومي داخل المؤسَّسات بالشكل الَّذي ينعكس إيجابًا على الإنتاجيَّة المؤسَّسيَّة وتقدير النماذج والقدوات المخلصة في بيئة العمل. ومن هنا تتحول المنظومة المؤسَّسيَّة عَبْرَ حوكمة القِيَم وإضفاء الصبغة التقييميَّة والضبطيَّة والمحاسبيَّة لها، وتنتقل من دائرة التركيز على المظاهر والتضخيم في الإجراءات الشكليَّة والاحتفاليَّة والتسويقيَّة على حساب الأثر الحقيقي والتركيز على النتائج. وهنا يأتي دَوْر الحوكمة القِيَميَّة في إعادة تعريف مفهوم الأداء المؤسَّسي والكفاءة الإنتاجيَّة الداخليَّة والخارجيَّة والرضا الوظيفي والسمعة المؤسَّسيَّة والنجاح المؤسَّسي الَّذي يتجاوز حدود المؤسَّسة لِتظهرَ تجلِّياته في حياة المواطن وولائه وانتمائه ومواطنته وإخلاصه لوطنه وقيادته، وحجم التغيير الَّذي تضيفه إلى قناعاته حَوْلَ المنجز الوطني والصورة الأخرى الَّتي تعكسها التوجُّهات الوطنيَّة.
على أنَّ بناء منظومة إداريَّة فاعلة قادرة على صناعة الأثر وتحقيق إنجازات نوعيَّة مستدامة تبقى حاضرة في ثقة المواطن في الجهد الحكومي والمؤسَّسي عامَّة، يتطلب النظر إلى مفهوم القِيَم بوصفها محطَّة اختبار حقيقي وخيار قوَّة يتمُّ من خلاله تحقيق معادلة الكفاءة في اختيار القيادات الداخليَّة بالمؤسَّسات وضمان تصدر القدوات والنماذج في المشهد المؤسَّسي في مختلف المستويات الإداريَّة، ما يؤكد اليوم على أهميَّة الثقة في الضبطيَّة القِيَميَّة وحوكمة القِيَم كإطار وطني يتكامل مع الأدوات والتشريعات والأنظمة والقوانين، وهما يشكِّلان جوهر البناء الداخلي للمؤسَّسات، ووجهين لعملة واحدة، ذلك أنَّ القوانين تُحدِّد مسار الفعل، وتنشط القِيَم في ضبط عمليَّة تفعيل المسار وروح القانون الَّتي يُمارس بها الفعل في أرض الواقع، وهي بهذا التكامل تطرح مفهوم الإنسانيَّة في بيئة العمل والوظيفة العامَّة، والَّتي تؤسِّس اليوم لبيئة عمل متوازنة، قائمة على الانضباط والمرونة والالتزام والابتكار في وقت واحد.
وعليه، نعتقد بأنَّ من أبرز التحدِّيات الَّتي تواجه بيئات العمل في المؤسَّسات اليوم هي سيطرة نمطيَّة المظاهر والشكليَّات، الَّتي تُفرغ العمل من جوهره الحقيقي، وتُحوِّل الأداء المؤسَّسي إلى مجرَّد عمليَّات روتينيَّة هدفها إنجاز العمل الاعتيادي، خالية من الابتكار والتغيير، والَّذي يظهر في الفعل المؤسَّسي ذاته أو في الدوافع والحوافز النوعيَّة الَّتي يحملها المُجتمع الوظيفي في أثناء أدائه هذه المهام. وهذا الأمر قد يُنظر إليه من زوايا متعدِّدة، ويعود في كثير من الأحيان إلى غياب منظومة قِيَم واضحة، أو ضعف تفعيلها، أو عدم ربطها بمؤشِّرات الأداء؛ فالموظف الَّذي لا يجد معيارًا واضحًا لتقييم سلوكه يلجأ إلى الالتزام بالشكل دُونَ الجوهر، ويحرص على إرضاء المسؤول بدلًا من تحقيق المصلحة العامَّة، وهو أمر باتَ ينشط في الآونة الأخيرة بفعل عدم التطبيق السليم لمنظومة إجادة. غير أنَّنا نعتقد بأنَّ الخروج من هذه النمطيَّة يتطلب إعادة هندسة الفكر الإداري والقائمين عليه، من خلال ترسيخ ثقافة قائمة على النتائج، وتعزيز قِيَم المبادرة والابتكار، وتقدير الجهود النوعيَّة بدلًا من الشكليَّة. كما يتطلب تمكين القيادات الإداريَّة من أدوات التقييم القِيَمي، الَّتي تساعدهم على قياس مستوى الالتزام بالقِيَم وربطه بالأداء الفعلي. وهنا تبرز أهميَّة بناء أدوات قياس القِيَم، مثل مؤشِّرات النزاهة والالتزام والعمل الجماعي والانضباط والمبادرة والابتكار وثقافة المسؤول والسلوك الوظيفي الحاصل في بيئة العمل، بحيثُ تصبح جزءًا من منظومة تقييم الأداء الفردي والمؤسَّسي. كما يُمكِن توظيف تقنيَّات التحليل الحديثة لرصد السلوك الوظيفي وتحليل أنماطه واكتشاف الانحرافات واتِّخاذ الإجراءات التصحيحيَّة في الوقت المناسب، مرتكزات يُمكِن من خلالها الوقوف على جوهر المبادئ والقِيَم المؤسَّسيَّة والوطنيَّة في مواجهة سلوك المظاهر وشكليَّات الممارسة في بيئة العمل بالمؤسَّسات.
أخيرًا، تبقى حوكمة القِيَم خيار القوَّة في أيِّ مسار للإصلاح الإداري، بل هي جوهر هذا الإصلاح وأساسه لضمانِ التركيز على الجوهر وردِّ الاعتبار له على حساب الشكليَّات والظواهر الصوتيَّة، وبما يُعزِّز من كفاءة الأدوات ويرفع من مستوى الإنتاجيَّة، ويُسهم في بناء مؤسَّسات قادرة على تحقيق التنمية المستدامة وتحقيق طموحات مواطن الرؤية. الأمر الَّذي يؤكد الحاجة إلى تأطير وطني شامل لمنظومة القِيَم المؤسَّسيَّة والوظيفيَّة، يحدِّد معاييرها وآليَّات قياسها وسُبل تفعيلها، وربطها بمنظومة تقييم الأداء الفردي والمؤسَّسي، في إطار استمرار تطوير التشريعات والقوانين وتحديث أنظمة عمل الموارد البشريَّة والحوافز والصلاحيَّات، وبناء برامج تدريبيَّة تُعزِّز الوعي القِيَمي، وتُسهم في بناء ثقافة مؤسَّسيَّة رصينة حافِظة للحقوق، داعمة للإنجاز، مساهِمة في صناعة الفرص.
د.رجب بن علي العويسي