نعي جميعًا أنَّ هنالك أمراضًا تعلن عن نفْسها بوضوح كالحمَّى والألَم والأعراض الظاهرة الَّتي تجبر الفرد منَّا على اتِّخاذ إجراء معيَّن. وهناك أمراض أخرى، مثل فيروس الورم الحليمي البشري هادئة وغير مرئيَّة، وغالبًا ما تمرُّ دُونَ أن يلاحظها أحد حتَّى بعد سنوات، وتعود هكذا فتشكِّل مرضًا أكثر خطورةً ألا وهو السرطان!
بطبيعة الحال، فيروس الورم الحليمي البشري ليس نادرًا، بل هو في الواقع أكثر الأمراض المنقولة جنسيًّا شيوعًا في العالم، حيثُ يتعرض معظم الناس له في مرحلة ما من حياتهم، ورُبَّما دُونَ أن يدركوا ذلك. حتَّى أنَّه في كثير من الحالات، يتخلص الجسم من الفيروس بشكلٍ طبيعي. ولكن عندما لا يحدُث ذلك، يُمكِن أن يستمر فيروس الورم الحليمي البشري بصمت، فغير الخلايا ببطء حتَّى تتحول إلى خلايا سرطانيَّة. هذا التحوُّل الصامت ـ للأسف ـ هو ما يجعل فيروس الورم الحليمي البشري أحَد أهمِّ تحدِّيات الصحَّة العامَّة في عصرنا.
بل إنَّ ما يجعل فيروس الورم الحليمي البشري مثيرًا للقلق بشكلٍ خاص هو ارتباطه الوثيق بأنواع متعدِّدة من السرطان. فبَيْنَما يعرف بَيْنَ الناس بأنَّه السَّبب الرئيس لسرطان عنق الرحم، إلَّا أنَّه مسؤول أيضًا عن سرطانات الحلق والشرج والقضيب والفرج والمهبل. وعلى الصعيد العالمي، لا يزال سرطان عنق الرحم وحده أحَد الأسباب الرئيسة للوفاة المرتبطة بالسرطان بَيْنَ النساء. ومع ذلك، وعلى عكس العديد من أنواع السرطان الأخرى، فإنَّ هذا النوع من السرطان أصبح لدَيْنا القدرة على الوقاية منه، خصوصًا وأنَّ وزارة الصحَّة العُمانيَّة بدأتْ منذ فترة بحملات التطعيم وذلك وبشكلٍ مشكور دعمًا للجهود الرَّامية لتعزيز الصحَّة العامَّة والوقاية من الأمراض.
مع ذلك، يُعَدُّ توقيت التطعيم مهمًّا جدًّا. كيف لا؟ وحقيقة يكُونُ اللقاح أكثر فعاليَّة عند إعطائه قَبل التعرُّض للفيروس. ولذا توصي منظَّمات الصحَّة العالميَّة بتطعيم الأطفال، عادة بَيْنَ سن التاسعة والرابعة عشرة عمرًا في هذه المرحلة، فتصبح الاستجابة المناعيَّة أقوى، واحتماليَّة التعرُّض المسبق للفيروس ضئيلة، خصوصًا وأنَّ الدراسات الحديثة أكَّدتْ أنَّ التطعيم المبكر يوفِّر أعلى مستوى من الحماية، والَّتي غالبًا ما تدوم لسنوات عديدة، فقد تستمر فعاليَّته لأكثر من عَقد من الزمن بعد إعطائه.
من ناحية أخرى فإنَّ التطعيم ضد فيروس الورم الحليمي البشري لا يقتصر على حماية النساء فقط، بل تُشير أدلَّة كثيرة إلى فوائده للرجال أيضًا، لا سِيَّما في الوقاية من سرطانات الرأس والرقبة، الَّتي ترتبط بشكلٍ متزايد بعدوى هذا الفيروس. لذلك أجد نفْسي أقول هنا ـ إن صحَّ لي التعبير ـ بأنَّ هذا اللقاح ليس مجرَّد لقاح آخر، بل هو، من نواحٍ عديدة لقاح ضد السرطان، وهو مفهوم كان يبدو شِبه مستحيل قَبل عقود. ما أقصده أنَّه يُمثِّل تحوُّلًا من علاج المرض إلى الوقاية منه!
وعليه، وفي قصَّة فيروس الورم الحليمي البشري الهادئة تلك، لا تكمن الرسالة الحقيقيَّة في الفيروس نفْسه، بل في كيفيَّة استخدامنا للمعرفة الَّتي نمتلكها الآن. فنحن الآن نشهد لحظة استثنائيَّة، حيثُ يُمكِن السيطرة على عدوى شائعة، كانت في يوم من الأيَّام سببًا رئيسًا للسرطان.
ختامًا، لم يَعُدِ السؤال هو ما إذا كان لقاح فيروس الورم الحليمي البشري فعَّالًا؟ بل السؤال هو ما إذا كنَّا سنتحرك في الوقت المناسب!
د. يوسف بن علي الملَّا
طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي