طالَما نظرنا نحن العرب إلى اليابان نظرة إعجاب وانبهار، باعتبارها نموذجًا للدَّولة المتقدِّمة الرَّاقية، الَّتي تحتلُّ قمَّة مؤشِّرات التنمية البشريَّة؛ لِمَا تزخر به من تعليم راقٍ وتقدُّم في العلوم والاختراعات، حتَّى أطلقنا عليها كوكب اليابان، لتميُّزها بالانضباط واحترام الوقت. ولكن هذه الحضارة الماديَّة الناجحة تُخفي وراءها ظواهر اجتماعيَّة محبطة، من قبيل العزلة والاكتئاب وارتفاع معدَّلات الانتحار، وتراجع حالات الزواج وانخفاض المواليد، حتَّى أصبحتْ دولة لكبار السِّن.
ومؤخرًا تابعنا «ميساكو أكيموتو» مديرة إحدى المدارس اليابانيَّة في مصر، تتحدث عن تجربة العمل في القاهرة، قالت: عندما انتهتْ مَسيرتي الوظيفيَّة في اليابان، عُرض عليَّ العمل في القاهرة، لِيبدأَ فصل جديد من حياتي، لم أكُنْ أتوقع أن يكُونَ بهذا الجَمال، كنتُ مديرة مدرسة ابتدائيَّة في اليابان، أقف خلْفَ مكتبي وأراقب عقارب الساعة الَّتي لا تخطئ أبدًا. وعندما جاءتني فرصة العمل في مصر، كنتُ متردِّدة وأخشى ألَّا أندمج مع هذه الثقافة البعيدة، من اختلاف اللُّغة العربيَّة الَّتي بدَتْ لي طلسمًا لا أعرف كيفيَّة فكِّ شفرته، فكيف أفْهَمُ قلوبًا لا أفْهَمُ لسانها، لكنَّني عندما وصلتُ مطار القاهرة، وجدتُ نورهان المترجمة الَّتي صارت عيني وأذني، وجدتُ الأطفال رائعين، جعلوني أغيِّر قناعاتي بأنَّ احترام الوقت لا يتعارض مع الرحمة والعناية بالجوانب النفسيَّة والعاطفيَّة.
كنتُ أعيش في سباق دائم مع الزمن، أشعر بالقلق باستمرار من زحمة المرور بطوكيو، وأظنُّ أنَّني قد أتأخر ولو قليلًا، لكن هنا تعلمتُ أنَّ الوقت يُمكِن أن يكُونَ أداة للتنظيم دُونَ أن يكُونَ قاسيًا، وأنَّ بعض المرونة لا تعني الاستهانة، بل تعني فهم الإيقاع الإنساني للحياة، وتلك الدقائق القليلة الَّتي كانت تربكني، أصبحت فرصة للهدوء والتأمل، واكتشفتُ أنَّ في هذه المرونة حكمة تجعل الأيَّام أخفَّ والقلوب أكثر هدوءًا.
ترَى «ميساكو» أنَّ أعظم درس تعلَّمَته في مصر هو سهولة البوح، فالأطفال في مصر يمتلكون شجاعة عاطفيَّة مذهلة، نفتقدها في اليابان، فاليابانيون خجولون جدًّا، لا يستطيعون التعبير عن مشاعرهم. أمَّا هنا فالطفل يركض نَحْوي ليطوِّقني بذراعَيْه الصغيرتين، ويقول بملء فيه: أحبُّكِ! في البداية كنتُ أندهش، وأقف متوتِّرة في مكاني، ثم بدأتُ أتعلَّم منهم، حاولتُ أكسر ذلك الغلاف الخجول الَّذي يلتفُّ حَوْلِي، وأعَبِّر عن مشاعري بصدقٍ وشجاعة.
عندما نظَّمتِ المدرسة رحلة لمكتبة الإسكندريَّة، وسأل المحاضر: هل لدى أحدكم سؤال؟ فوجئتُ، بمعظم التلاميذ يرفعون أيديهم، على عكس الوضع في اليابان، فقد يتردد الجميع في المشاركة خوفًا من الإحراج، وعندما نطبِّق في المدرسة أنشطة «توكاتسو» الَّتي تُعزِّز بناء الشخصيَّة، أرى روح القيادة في كُلِّ طفل، فالكُلُّ يُريد أن يكُونَ القائد، يذهلني إصرارهم على الفوز، فالطفل المصري لا يتنازل عن فكرته بسهولة، يجادل ويحاول الإقناع بقوَّة، بَيْنَما في اليابان، نميل لتقديمِ التنازلات بسرعة من أجلِ الجماعة، وهذا سلوك مستمدٌّ من الثقافة اليابانيَّة القديمة.
في اليوم الرياضي، المُعلِّمون تركوا التلاميذ يُديرون كُلُّ شيء، ينظِّمون ويشجِّعون، ويُديرون الحدث بحماس لم أعهدْه من قَبل، في هذه اللحظة شعرتُ بالمسؤوليَّة تجاههم، وشعرتُ بشوق عارم لرؤية هؤلاء الصغار بعد عشرين عامًا من الآن، رُبّما لا أعرف أسماءهم كُلَّها، فالحروف العربيَّة لا تزال تتمرد على لساني، لكنَّني أحفظُ بريق عيونهم، جئتُ أحملُ فلسفة الانضباط والالتزام الياباني، لكن هنا تعلمتُ كيف أطلق العنان لمشاعري دُونَ تحفُّظ أو خجل.
محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري