(أُناديكم أشّدُ على أياديكم.. وأبوس الأرض تحت نعالكم .. وأقول أفديكم .. وأهديكم ضيا عينيّا)، في العام 1967 وقبل هزيمة العرب في حرب 67 التي تمّ تجميلها إلى (نكسة) حفظاً على ما تبقى من ماء وجه العرب كتب إبن الألم الفلسطيني الشاعر توفيق زياد هذه الأبيات، يُوجّه الخطاب عبرها إلى الشعب الفلسطيني شقيقه في العذاب والمعاناة التي يُريد الصهاينة أن تبقى معاناةً أبدية مُهدياً إياهم أغلى ما يملك وهو نور عينيه ويعطهم دفء قلبه.
(ودفء القلب أعطيكم.. فمأساتي التي أحيا .. تهجير شعبها .نصيبي من مآسيكم) ، في العام 75 يقرأ الفنان اللبناني أحمد قعبور قصيدة (أُناديكم) ويُغنّي رائعة الشاعر توفيق زياد، التقى الشاعر والفنّان في حب فلسطين، قبلها كانا التقيا في نهر العذاب الذي يجري بشعب أرض الرسالات، الحرب الأهلية اللبنانية بدأت في نفس العام الذي غنّى أحمد قعبور القصيدة ، تلك الحرب التي حوّلت لبنان من كونها الدولة العربية الوحيدة التي هي بلا صحراء إلى صحراءٍ حقيقية يتقاتل فيه أبناء الوطن الواحد، كان للفلسطينيين نصيبهم من آلام تلك الحرب ، وإن كانت مجزرة مُخيّم صبرا وشاتيلا رآها العالم أجمع إلا أنه لم يجري اعتقال ومحاكمة أي شخص خطّطَ وشارك فيها، تُوّجت الحرب بالغزو الإسرائيلي على لبنان واحتلال بيروت، وإذا كانت بعض الأنظمة العربية تبكي وبعضها يتباكى على احتلال فلسطين وتهجير شعبها وعلى الحرب الأهلية بين اللبنانيين صار الآن يبكي على لبنان بأكمله وفي الوقت نفسه كان أحمد قعبور يُغرّد : أناديكم ..أشُدّ على أياديكم.
(أنا ما هنت في وطني .. ولا صغرت أكتافي .. وقفت بوجه ظلامي .. يتيماً عارياً حافي) ، لا أدري إن كان الشيخ إمام كان في السجن أو خارجه أو في الطريق إليه عندما لحّنَ وغنّى القصيدة في ثمانينيات القرن الماضي ، ولأنّ عود الشيخ إمام كان رنّاناً كما هي العادة حفظها العرب الصغير قبل الكبير وصارت حُبا مشعلا وأملا للفلسطينيين ، تلكَ الحقبة كانت فترة انتكاسات عدة وليس انتكاسةً واحدة على الوطن العربي حيث لا يخرج من زلزال إلا وتقع زلازل عدةٍ فيه، زادت الحرب الأهلية في لبنان شراسةً، جرى التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد ، نشبت حروب بين بعض الدول العربية وجرت انقلاباتٍ عدة، تناسلت الحروب الأهلية ولم تقتصر على حربٍ واحدة.
(حملت دمي على كفي.. وما نكّست أعلامي.. فوقَ قبور أسلافي.. أناديكم أشد على أياديكم .. وأبوس الأرض تحت نعالكم.. وأقول أفديكم)، عقد التسعينيات كان عقداً مأساوياً على العرب حيثُ حمَلَ في بدايته خبر الغزو العراقي للكويت الذي صدم العالم وجرت فيه حرب الخليج الثانية التي أدت إلى إخراج الجيش العراقي من الكويت وفرض حظرٍ نفطي على العراق تأثّرت منه البلاد والعباد، زيادةً في التشرذم انقسم العرب بين ما يعرف دول الضد ودول المع قبل أن تعود المياه المبللة بالدماء إلى بعض مجاريها ، في شهر يوليو من العام 1994 ذهب توفيق زياد إلى استقبال الرئيس الراحل ياسر عرفات بعد اتفاقيات أوسلو، توفي بحادث سيرٍ مروع وكأن موته أن هذه الاتفاقية نذير شؤمٍ على الشعب الفلسطيني وفخٍ لقضيتهم وهو ما حصل . في السادس والعشرين من شهر مارس الماضي لم يغن أحمد قعبور هذه الأغنية، رحل عن دنيانا الفانية ليُدفن في مقبرة الشهداء وهو شهيد لنضاله بفنه وموسيقاه عن القضايا الوطنية والإنسانية ، بقي الشعب الفلسطيني وأحرار العالم يُردِدون : (أُناديكم أشّدُ على أياديكم.. وأبوس الأرض تحت نعالكم.. وأقول أفديكم.. وأهديكم ضيا عينيّا).
ناصر المنجي
كاتب عماني