لا غرابة في أن تتقاطعَ قوَّة الأسلحة الحربيَّة والاستراتيجيَّات العسكريَّة مع قوَّة وسائل الإعلام وأدواته واستراتيجيَّاته في زمن الحروب والصِّراعات والأزمات.
ولا غرابة في أن يتقدم الإعلاميون والمثقفون والأُدباء ركْبَ الدِّفاع والهجوم في كُلِّ وطن إذا تعرَّض أمْنه وسيادته للانتهاك والاختراق أو تعرَّض للإساءة بالتوازي مع رجال القوَّات المُسلَّحة والجيوش والأجهزة الأمنيَّة، بل وفي غالب الأوقات يتحرك التلفزيون والصحافة والإذاعة قَبل الدبَّابة والطَّائرة والبارجة الحربيَّة، وينطلق القَلم بالدِّفاع عن الوطن والذَّود عنه قَبل أن تنطلقَ الرَّصاصة والصَّاروخ.
وفي قلبِ الصِّراع المحتدم عندما يتمُّ دكُّ الأرض وحرقُها وإبادةُ الأبرياء، وإعادةُ الدول والحضارات إلى العصر الحجري، وبَيْنَ التهدئة والصِّراع، بَيْنَ الحقيقة والإشاعة، بَيْنَ التَّشويه والوضوح، بَيْنَ السَّكِينة والتَّأجيج، وفي كُلِّ معركة من معارك الحروب المعاصرة تبرز وسائل الإعلام كأدوات للعقلانيَّة والتهدئة والقوَّة الإيجابيَّة، أو وسائل للفجور في الخصومة وكسر إرادة الشعوب وتشويه سُمعة الدول والأفراد وقلبِ الحقائق.
إذًا، أمامنا واقع واضح تُعزِّزه حقائق التاريخ: إنَّ الدول والحكومات الَّتي تملك وسائل إعلام قويَّة ومهنيَّة، ولدَيْها شخصيَّات إعلاميَّة وأُدباء ومثقفين متمكنين فإنَّها تملك أوراقًا رابحة وقوَّة ضاربة إن هي مكَّنتها، وأعدَّتها الإعداد المهني اللازم لمِثل هذا النَّوع من الأوقات المضطربة من حياة الأُمم والشعوب، أوقات الحروب والصِّراعات والأزمات، ستكُونُ لها اليد الَّتي تُدرك بها ما لا تتمكن من نيله عَبْرَ الوسائل العسكريَّة، فلوسائل الإعلام أدوات واستراتيجيَّات قادرة على التَّعامل مع مختلف البيئات والظروف الأمنيَّة بطُرقٍ لا تستطيع التعامل معها الجيوش والأسلحة الحربيَّة.
وطنيًّا وكالعادة ولن يكُونَ المقال الأول أو الأخير الَّذي أُعيد عَبْرَه تكرار التأكيد على أهميَّة الإعلام والإعلامي العُماني وضرورة إعداده وتأهيله الإعداد والتَّأهيل اللازم لمِثل هذه الأوقات العصيبة من حياة الأُمم والشُّعوب، إعداد كوادر إعلاميَّة محترفة، أكْفَاء قادرين على ممارسة المِهنة بكُلِّ مهنيَّة، والتَّعامل مع الإعلام المضادِّ بكُلِّ حرفيَّة، التصدِّي لكُلِّ كلمة أو معلومة أو فجور في الخصومة عَبْرَ استراتيجيَّات وأدوات احترافيَّة ومهنيَّة تُواكِب الحدث.
نعم، وأعيد تكرار أهميَّة الاهتمام بالشخصيَّات الإعلاميَّة الوطنيَّة، بالأُدباء والمثقفين العُمانيين، بأصحاب القلم والفكر من أبناء هذا الوطن العزيز، ضرورة تمكينهم التَّمكين اللائق بحماة الوطن، كما هي النظرة لرجال الأمن والقوَّات المُسلَّحة أثناء الحرب، بل ويُمكِن القول إنَّ أصحاب القلم والفكر من أبناء هذا الوطن العزيز لهم الأولويَّة دائمًا؛ لأنَّهم في الواجهة في كُلِّ الأوقات، ففي السِّلم لوطنهم أمْن وسلام، وفي الحرب يحتاجهم الوطن لصراع هو أخطر بكثير من الصِّراع العسكري أو الحربي.
فوسائل الإعلام أو الحرب الإعلاميَّة لها من الأولويَّة في زمن الحرب والسِّلم؛ لأنَّها تملك القدرة على تدمير الإرادات والعزائم، قادرة على تحطيم القوَّة العسكريَّة؛ ولهذا ركَّزتْ مُعْظم الدول المعاصِرة على إعداد وسائل إعلامها لمِثل هذه الظروف والأوقات الَّتي تحتاج فيها لكُلِّ وسيلة وكادر من كوادر الإعلام.
من جانب آخر ـ وهو جانب مهمٌّ للغاية كذلك ـ ولعلَّ أهميَّته المعاصِرة تزداد كُلَّ يوم نتيجة الواقع الَّذي غَيَّر من وسائل الإعلام وأدواته المعاصِرة، أقصد بروز أدوات ووسائل إعلاميَّة حديثة مثل مواقع التواصُل الاجتماعي والَّتي تبرز مكانتها وقوَّتها اليوم في قدرتها على تجاوز وسائل الإعلام الرسميَّة أو حتَّى الخاصَّة للدخول إلى كُلِّ منزل، بل وإلى عقل كُلِّ مَن لا يهتمُّ أو يشاهد التلفزيون أو الإذاعة ويقرأ الصحف؛ فأدوات التواصُل الاجتماعي اليوم قوَّة لا يُستهان بها أبدًا، بل وفوائدها وأضرارها، وأقولها بكُلِّ صراحة أقوى بكثير من قوَّة الإعلام الرَّسمي أو حتَّى الخاص.
ختامًا: إلى كُلِّ مسؤول معني بهذا الشَّأن في وطني سلطنة عُمان، إلى كُلِّ مَن يملك القرار القادر على تعزيز مكانة الإعلام العُماني وتمكين رجال الإعلام والأُدباء والمثقفين وأصحاب الفكر والقلم في هذا الوطن العزيز، أتمنَّى إعداد استراتيجيَّة وطنيَّة متكاملة وشاملة لإعداد جيل من الإعلاميين والأُدباء والمثقفين العُمانيين المؤهَّلين علميًّا وميدانيًّا وفكريًّا للتعامل مع مثل هذه الظروف والأحداث، وفي زمن السِّلم والحرب والفوضى والأزمات.
أتمنَّى الاستمرار في تمكين الكوادر الإعلاميَّة العُمانيَّة، وأصحاب الفكر والأُدباء والمثقفين العُمانيين، كُلٍّ في مجاله وتخصُّصه، أتمنَّى إبراز مكانتهم اللائقة وطنيًّا وتعزيز مكانتهم الاجتماعيَّة؛ لأنَّ أدوارهم القادمة وحاجة وطنهم لهم خلال المرحلة القادمة ستكُونُ أكبر بكثير ممَّا سبَق من الأوقات، فكم خسرتِ الأوطان الكثير من كوادرها بسبب التَّهميش والإهمال وعدم التَّمكين.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @