كُلُّ شيء في هذه الحياة هو عبارة عن مهِمَّة، بل الحياة بذاتها مهِمَّة ومهِمَّة عظيمة أيضًا، هدفها الأساس عبادة الله سبحانه وتعالى، ثم الانتقال للمراحل اللاحقة، وصولًا إلى الجَنَّة أو النَّار. ولكنَّ التعامل مع الحياة بأنَّها مهِمَّة يَجِبُ القيام بأداء واجباتها دُونَ وجود متعة في أدائها هو مَن يخلق جانبًا آخر قد يؤدِّي إلى نتائج سلبيَّة. فالمطلوب أن يتمَّ أداء هذه المهِمَّة بروح إيجابيَّة مستبشرة، وأن تراعيَ مختلف الجوانب النفسيَّة والروحيَّة عند أداء هذه المهِمَّة؛ فوجود عبادة على طول الخط يجعل من الإنسان شخصًا متزمتًا، ولكن أن يجمعَ بَيْنَ الحياة بطبيعتها وأنسها وبَيْنَ تعامله مع الناس وممارسة حياته وبَيْنَ العبادة هو ـ بلا شك ـ المسلك الَّذي يَجِبُ أن يَقُوم به أيُّ إنسان أراد تحويل هذه المهِمَّة إلى استمتاع لا يخلُّ بجوهرها. فالترويح عن النفْس ساعة بعد ساعة ـ كما في الحديث الشريف ـ نهج إيماني يقدِّم درسًا لنا جميعًا بأنَّ الحياة تَقُوم على التوازن دُونَ سيطرة جانب على آخر.
وفي السَّفر نجد أنَّ الكثير من المسافرِين يتعاملون مع الوجهة الَّتي يقصدونها وكأنَّها مهِمَّة يَجِبُ أن يتخلصوا منها بأسرع وقت ممكن حتَّى يعودوا لبلدهم في أسرع وقت ممكن، كما هو حال مَن يعتقد أنَّ الحياة مجرَّد عبادة لا يَجِبُ الخروج عنها، فتراه عند الذهاب في رحلته يسرع الخُطى ويحاول أن ينهيَ كُلَّ الإجراءات المرتبطة بالسَّفر بسرعة وبِدُونِ استمتاع بلحظات هذا الذَّهاب، سواء كان الأمر بَرًّا أو جوًّا أو بحرًا. فهي سِمة تلاصقه لا يُمكِنه الفكاك منها، وهنالك عندما يصل يضع خطَّته المحكمة والَّتي يكُونُ هدفها الأساس أن يمرَّ على جميع الأماكن والفعاليَّات، وأن لا يترك شاردة أو واردة إلَّا قام بها، وكأنَّه في سباق، وكأنَّه في مهِمَّة لا بُدَّ من إنجازها حتَّى لو تطلَّب الأمر عدم النَّوم إلَّا لبضعِ ساعات من أجلِ إتمام هذه المهِمَّة، متناسيًا أنَّ السَّفر ليس مجرَّد مهِمَّة مطلوب منَّا القيام بها فقط لمجرَّد القيام بها، بل هي استمتاع بكُلِّ دقيقة من وقتها، يبدأ هذا الاستمتاع حتَّى قَبل الذَّهاب إلى هذه الوجهة. من هنا نُدرك جميعًا الفوارق الأساسيَّة بَيْنَ المسافرِين الَّذين يسافرون لأجلِ متعة السَّفر وبَيْنَ أولئك الَّذين يريدون أن يسافروا لأداء مهِمَّة والفَرق واضح وجَلِي بَيْنَ الاثنين؛ فالنَّوع الأخير ينفق أموالًا لمجرَّد تسجيل حضور لمجرَّد صوَر فارغة بلا شعور بلا روح، بعكس النَّوع الأول الَّذي يهتمُّ بالجانب الروحي المتمركز على الاستمتاع بروعة المكان وروعة الناس وروعة الأماكن؛ وبالتَّالي تظلُّ الذكريات محفورةً في وجدانه أكثر ممَّا تظلُّ محفورةً في ألبوم صوَره.
تحدَّثتُ في مقالات سابقة عن أولئك الَّذين لا يَجِبُ أن تسافر معهم، ولعلَّ الجميع يعرفهم، فمنهم البخيل والمزاجي والنوَّام وغيرهم من الأصناف الَّتي لا يُحبَّذ مرافقتهم في السَّفر؛ لأنَّهم سيقلبون رحلتك إلى مأساة! ولكن هذا النَّوع رُبَّما لم يتمَّ التطرق له سابقًا من قِبل المهتمِّين بموضوع السَّفر، وهم أولئك الَّذين ينظرون للسَّفر على أنَّه مهِمَّة يَجِبُ إنجازها بأسرع وقت ممكن. وهذا الصِّنف خطير للغاية رُبَّما أخطر من البقيَّة؛ لأنَّه تجتمع به كُلُّ الصِّفات الَّتي يُمكِن أن تدمِّرَ أيَّ رحلة سفر، يكفي أنَّكَ لن تستطيعَ أن تستمتعَ بأيِّ شيء تريده. فالأمر ينحصر في مجرَّد المرور على أكثر عدد ممكن من الأماكن وتصويرها دُونَ وجود وقت للراحة أو المتعة. إنَّ هذا النَّوع من المسافرِين يَجِبُ أن يسافروا مع مَن يُناظرهم في الفكر فقط دُونَ بقيَّة الأنواع؛ لأنَّ توَجُّهاتهم تنحصر في الجانب العملي فقط دُونَ الجانب الروحي، ورُبَّما كثرة السَّفر ستغيِّر تفكيرهم وتجعلهم يُعِيدون النظر ولكن بعد فترة زمنيَّة ليستْ بالقصيرة.
السَّفر كالحياة يحتاج إلى توازن في كُلِّ عناصره ومراحله، كما يحتاج إلى توازن حتَّى في رفقته، والنقطة الجوهريَّة في كُلِّ ذلك هي الاستمتاع بهذا التوازن، فهو الأساس الَّذي تَقُوم عليه فلسفة الحياة وفلسفة السَّفر.
د. خصيب بن عبدالله القريني