في ظلِّ ما تمرُّ به المنطقة من تداعيات الحرب على الجمهوريَّة الإسلاميَّة في إيران، وفي إطار تزايد التصعيد العسكري وما خلقته من انعكاسات اقتصاديَّة واجتماعيَّة وتنمويَّة في مختلف المجالات على المنطقة والعالم، واستحضارًا لجهود سلطنة عُمان الدَّاعية إلى رفض التصعيد ووقف هذه الحرب والعودة إلى المفاوضات السياسيَّة، ومنع كُلِّ أشكال التصعيد والاعتداءات على سيادة الدول.
لقد شكَّل نهج سلطنة عُمان في التعامل مع الأزمات السياسيَّة نموذجًا فريدًا في السياسة الدوليَّة، قائمًا على مبادئ راسخة، في مقدِّمتها احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخليَّة، والإيمان بحقِّ الشعوب في تقرير مصيرها، إلى جانب الالتزام بالمسؤوليَّة الأخلاقيَّة تجاه المُجتمع الدولي، والعمل مع مختلف الأطراف الإقليميَّة والدوليَّة، بما فيها المنظَّمات الأُمميَّة؛ من أجلِ الحدِّ من النزاعات، ومنعِ تفاقُمِها، وإيجاد حلول سلميَّة مستدامة تحفظ الأمن والاستقرار. صوتًا للعقل، وجسرًا للتواصل، ومنصَّةً للحوار، حيثُ رسَّخت عَبْرَ تاريخها الطويل حضورها كقوَّة سلام، لا تنحاز إلَّا للحقِّ والعدل، ولا تسعى إلَّا إلى التقريب بَيْنَ وجهات النظر، ونزع فتيل الأزمات، وبناء مساحات مشتركة قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح الإنسانيَّة العُليا. فـ»لقد عرف العالم عُمان عَبْرَ تاريخها العريق والمشرِّف كيانًا حضاريًّا فاعلًا، ومؤثرًا في نماء المنطقة وازدهارها، واستتباب الأمن والسَّلام فيها، تتناوب الأجيال على إعلاء رايتها، وتحرص على أن تظلَّ رسالة عُمان للسَّلام تجوب العالم، حاملةً إرثًا عظيمًا وغاياتٍ سامية، تبني ولا تهدم، وتقرِّب ولا تباعد».
إنَّ هذا الوضوح والشفافيَّة في مواقف سلطنة عُمان الحكيمة بشأن هذه الأحداث ورفضها القاطع لهذه الحرب، مدرسة حضاريَّة للعالم أجمع يستلهم منها أبناء عُمان منهجهم وطريقهم في التعامل مع الأحداث، والموقف الَّذي يَجِبُ أن يستحضره كُلُّ مواطن عُماني أو كُلُّ مُقِيم على هذه الأرض المباركة في تناول تفاصيل هذه الأحداث، والتزام نهج الحكمة في اختيار واستقاء المعلومات في مواجهة موجة التراكمات الَّتي باتتْ تبثُّها قنوات الإعلام والحسابات الإخباريَّة وغيرها، وما يصاحب أكثرها من لغطٍ وعدم مصداقيَّة وإشاعة وتهويل لا تعكس الواقع، وهي بالأحرى لا تُعَبِّر عن توجُّهات سلطنة عُمان ولا تعكس الثَّوابت والمبادئ الَّتي أكَّدتْ عليها سلطنة عُمان في سياستها الخارجيَّة، في إطار مبادئ الحقِّ والعدل والمساواة، وما قد ينتج عن الانحراف عن المسار، سواء على مستوى الحسابات الشخصيَّة والمحليَّة والإعلاميَّة، من توجيه هذه المنصَّات للإساءة لِدَوْر سلطنة عُمان والتقليل من جهودها وعَبْرَ «هاشتاقات» تستهدف التشكيك في ثوابت السياسة العُمانيَّة والطَّعْن في هُوِيَّتها المذهبيَّة؛ لكونها اختارت أن تكُونَ منحازةً لصوتِ العقل والحكمة والحوار والسَّلام، الأمر الَّذي باتَ يعكس حالةً خطيرة من التنمُّر السياسي عَبْرَ المنصَّات الإلكترونيَّة بما قد يُثيره من كراهية وخلافات ونزاعات وتعالي أنماط السَّب والشَّتم والتَّخوين عَبْرَ المنصَّات الاجتماعيَّة.
وفي خضمِّ هذه التحوُّلات المتسارعة، تتَّجه الأنظار إلى دَوْر المواطن العُماني باعتباره الرِّهان الأكبر في بناء الخصوصيَّة العُمانيَّة وشريكًا أساسًا في تجسيد هذا النهج، لا سِيَّما في ظلِّ معطيات التحوُّلات الرقميَّة والانفتاح الإعلامي الواسع الَّذي جعل من كُلِّ فردٍ وحساب شخصي منصَّة قائمة بذاتها، قادرة على التأثير في الرأي العام وتشكيل الوعي. وهو ما يؤكِّد على أنَّ المسؤوليَّة لم تَعُدْ تقتصر على المؤسَّسات الرسميَّة، بل أصبحتْ مسؤوليَّة مُجتمعيَّة مشتركة، تتطلب وعيًا متقدِّمًا، وقراءة متَّزنة للأحداث، وتحكيم العقل والمنطق في بناء وجهات النظر، وإدراكًا عميقًا بطبيعة المرحلة وتعقيداتها. بما يعنيه ذلك من أنَّ المسؤوليَّة يَجِبُ أن تنتقلَ اليوم إلى المواطن في التعامل مع هذا الوضع، وعَبْرَ ما يُمكِن أن تعكسَه حواراته الهادئة وأطروحاته المتَّزنة ونقاشاته الواعية من التزام بالخصوصيَّة العُمانيَّة واستحضاره لأخلاق الأُمَّة العُمانيَّة وتجسيده العميق لسياسات الدَّولة ومنهجها الوقائي في التعامل مع هكذا أحداث، وتمسُّكه بالثَّوابت والمبادئ الوطنيَّة في التعامل مع هذه الأزمات السياسيَّة، والنَّأي بالنفْس عن الفِتن وتشويه السُّمعة، والحفاظ على الصورة الَّتي رسَّختها سلطنة عُمان وعُرفت بها في العالم، فكانت وسام استحقاق عُماني بلا منازع، ونالتْ على تقدير العالم واحترامه لسياسات سلطنة عُمان، وبما يعكس الهُوِيَّة الوطنيَّة والثَّوابت العُمانيَّة والمبادئ الَّتي أنتجتها ورسَّختها سلطنة عُمان في التعامل مع هذه المستجدات والأحداث، بالشَّكل الَّذي يظهر معدن الإنسان العُماني وجملة خصاله وسَمْته الَّذي يلتصق به ويُعَبِّر عنه ويجسِّده التزامًا يمشي على الأرض.
ومنذ بدء الحرب على إيران اتَّخذتْ سلطنة عُمان وعَبْرَ مؤسَّساتها الأمنيَّة والإعلاميَّة والقانونيَّة موقفًا وطنيًّا تفاعليًّا تكامليًّا محددًا لضمانِ امتلاك المواطن لممكنات الوعي في التعامل مع الأحداث الإقليميَّة الَّتي تعيشها المنطقة، وما يصاحبها من تدفُّق هائل للمعلومات، ودعوتها للمواطنين والمُقِيمين إلى تحرِّي الدقَّة والموضوعيَّة في ما يتمُّ نَشْره أو تداوله حَوْلَ هذه الأحداث، سواء من قِبل الفرد أو كذلك الحسابات الإخباريَّة المحليَّة، وأن يتحلى الجميع بقدر عالٍ من الوعي النقدي، والتمييز بَيْنَ الحقيقة والإشاعة، وبَيْنَ التحليل الموضوعي والتضليل المتعمَّد؛ لِمَا تؤدِّيه الأخبار المغلوطة، وتداول المقاطع المجتزأة، أو التحليلات المنحازة، من تأجيج للمشاعر أو تشويه للحقائق، ما يستدعي التحقق من مصادر المعلومات، وعدم الانسياق وراء كُلِّ ما يُنشر، خصوصًا في ظلِّ وجود حسابات وهميَّة أو جهات تسعى إلى توجيه الرأي العام لخدمة أجندات معيَّنة، وهو ما يتعارض مع القِيَم العُمانيَّة الأصيلة الَّتي تَقُوم على الموضوعيَّة والأمانة وتحرِّي المصداقيَّة.
إن أخلاق العُمانيين وما حمَلَتْه الشخصيَّة العُمانيَّة في تاريخ سلطنة عُمان المشرِّف يجسّد اليوم نهجًا وطنيًّا في عدم الانجرار وراء هذه الموجات الفكريَّة المتطرفة ـ الَّتي باتتْ تعكس حالةً خطيرة من الاستهلاك الفكري وتغييب الوعي الجمعي في المنصَّات الاجتماعيَّة، فإنَّ أقلَّ ما يُمكِن أن يجسِّدَ الشخصيَّة العُمانيَّة ويحفظَ حقَّ الوطن في هذه المواقف، هو ضمان التزام المواطن العُماني فردًا كان أم مؤسَّسة إخباريَّة أو إعلاميَّة على إدارة معطيات هذا السُّلوك في المنصَّات الاجتماعيَّة، في استحضار أصيلٍ للقِيَم العُمانيَّة والخصوصيَّة الوطنيَّة، وتأكيدٍ لمبدأ التوازنات الَّتي صنَعَتْها السياسة العُمانيَّة في علاقاتها مع مختلف دول العالم، وحرصها على التعامل مع قضاياه بمزيدٍ من الأمانة والمصداقيَّة والالتزام بالثَّوابت والمبادئ العُمانيَّة، فإنَّ مسارات التصعيد في الحرب لا تمنح الفرصة للخروج عن المألوف، ولا تعني أيضًا القفز فوق الثَّوابت، وأنَّ الثَّوابت والسَّلام والحوار في سلطنة عُمان نهج قوَّة وإثبات للذَّات الوطنيَّة الَّتي لا تتغيَّر بتغيُّر الظروف، لِتظلَّ الهُوِيَّة العُمانيَّة معادلة التوازن والقوَّة في شخصيَّة المواطن ومنهجيَّة الدَّولة وحكمتها السياسيَّة وإدارتها لقضايا الوطن والمواطن واستيعابها لكُلِّ الأحداث والمتغيِّرات بالشَّكل الَّذي يصنع لنهجها المتفرد وسَمْتها السياسي نهجًا متفردًا وموقعًا فريدًا وحضورًا مهيبًا ومسارًا سليمًا، وهي هُوِيَّة التزمتِ التوازن وانتهجتْ بدائل وسيناريوهات، مستفيدةً من الواقع والأحداث العالميَّة في صياغة نموذج عُماني يُعَبِّر عن المشتركات الإنسانيَّة، ويحافِظ على السَّمْت والخصوصيَّة العُمانيَّة وهُوِيَّة هذا الإنسان ويترجمها في نماذج مضيئة في مختلف المواقف الحياتيَّة.
أخيرًا، يبقى نجاح هذه الصورة المُعَبِّرَة عن السَّمْت العُماني والخصوصيَّة الوطنيَّة في التعامل مع التحوُّلات العالميَّة، عامَّة وأحداث المنطقة والحرب على إيران خاصَّةً، مرهونًا باستدامة هذا التوافُق في معادلة بناء الوعي بَيْنَ نهج الدَّولة ومسؤوليَّة المواطن والتزامه، وعَبْرَ امتلاك المواطن العُماني لأدواتها واستيعابه لأحداثها وقدرته على إدارة تفاصيلها بما يَضْمن لها الريادة والقوَّة، ويصنع من جهود السَّلطنة جسور اتِّصال وتواصُل. ولِيثبتَ العُمانيون بمواقفهم الحكيمة ومبادئهم السَّامية وأخلاقهم الرَّفيعة أنَّهم فوق صيحات الحرب والقتل والتدمير، دعاة للإنسانيَّة والسَّلام والتنمية والحوار والاستقرار والأمن، يتسامون فوق صيحات الخلاف ويَسْمون إلى مدارك العُلا والرّفعة، ويعلون فوق دنايا الانبطاح ونعيق المتصهينين. وفي ظلِّ معطيات عزَّزتها الشواهد ورسَّختها الأُطر والاستراتيجيَّات وعَبَّرَتْ عنها الحقائق، ظلَّ الإنسان العُماني شخصيَّةً متَّزنة في أفكارها وتوجُّهاتها وتحليلاتها ونصرتها للأُمَّة وقضاياها، وكان على العالم اليوم أن يصنعَ من أخلاق الأُمَّة العُمانيَّة ورسالتها منهجًا في التواصُل ودروسًا في الأخلاق والتعامل مع الأحداث، كيف تُدرَّس الأخلاق في سلطنة عُمان، وكيف تُقرأ أحوال الأُمَّة، وكيف تُنصر قضاياها؟ إنَّها العقيدة الحقَّة والمنهج الأصيل الَّذي التزمه العُمانيون في مَسيرتهم التاريخيَّة المشرِقة، وأفصحتْ عن الهُوِيَّة الوطنيَّة العُمانيَّة، كإطار وطني جامع ولُغة إنسانيَّة راقية، أصَّلتِ السَّمْتَ والخصوصيَّة، فكانتْ لهم نهجًا وخُلقًا وسَمْتًا وأصالةً وعروبةً وإسلامًا وإنسانيَّة.
د.رجب بن علي العويسي