ما أراه أنا كرَمًا يراه غيري تبذيرًا ويصنِّفه ثالث بخلًا، وتتماهى الحدود الفاصلة في تصنيف طباع الآخرين وسلوكهم وخصائصهم وما يأتونه من أفعال، بَيْنَ الإشادة العالية والمديح المبالغ فيه والقدح المدمّر للنفْس والمسيء للفرد، والنَّقد المتوازن الصَّادق، وينسحب ذلك إلى قضايا الإيمان والمقدَّس والدُّنيوي والإلحاد والوطنيَّة والحكم ـ اجتهادًا وتقديرًا ـ بالانتماء والولاء، أو الخيانة والإبعاد، ممَّا يؤثِّر على حياة الأفراد وأُسرهم ومستقبلهم، ويستدعي التفكير والضبط وتعزيز النَّص القانوني وسُلطته؛ لضمانِ ردع التجاوزات وحماية المواطنين من تسلُّط وتنمُّر وترهيب وترويع فئة ما، واستقرار أحوالهم والعيش في سلام وطمأنينة... فيما يعتزل البعض ويتجاهلون ـ الأكثريَّة الصَّامتة ـ فيمتنعون عن الزجِّ بأنْفُسهم في وصف وتصنيف أقرانهم في البيئة والمُجتمع والحارة والمؤسَّسة الَّتي ينتمون إليها، فلكُلِّ فرد حُريَّته وظروفه وطباعه ودوافع تصرُّفاته. فإذا بقيتِ السلوكيَّات في إطار خصوصيَّاته ولم تتجاوز حياته الشخصيَّة ولم تلحقْ ضررًا واعتداء على الآخرين فيجوز السُّكوت والتغافل عنها في مقابل اهتمام وانشغال كُلٍّ منهم بشؤونه ومصالحه. ولو أنَّ المُجتمعات الإنسانيَّة أخذتْ بهذه القاعدة لعاشتْ في سلام وتعايش وأمْنٍ ومَحبَّة وطمأنينة، ومارَسَ كُلُّ فرد حُريَّاته ومعتقداته الدينيَّة في نظرة تستند إلى الانفتاح والسَّعة، بعيدًا عن الخوف والكُره والأحقاد والضغائن والتعصُّب الأعمى والأفكار المؤدلجة، خصوصًا أنَّ العِلم الحديث أجاب على الكثير من التساؤلات وعلامات الاستغراب وطُرق الاحتجاج والاستفزاز والاستنكار على السلوكيَّات الَّتي تُستهجَن وتُرفَض وتُستقبَح وفقًا لتقييمات واجتهادات فرديَّة. وأظهرتِ البحوث والتجارب ونتائج الدراسات بأنَّ عصبونات المخ ـ الَّتي تتأثر هي الأخرى بالوراثة والحوادث والأزمات الَّتي تحدُث للشخص دُونَ إرادته ـ مسؤولة عن تشكيل وبَلْوَرة مزاجيَّات وتوَجُّهات الفرد، فغضبه وتشاؤمه وبُخله وتحوُّل مشاعره المتسارع من حالٍ إلى آخر وجُبنه ونزعة الشَّر فيه وأساليب المَكر والخداع الَّتي يُتقنها، وتهلُّله وارتياحه ورضاه وطمأنينته وسماحته وكرَمه وإيمانه وشجاعته وأمانته من جانب آخر، جميعها مرتبطة بالقدرات والأوامر الخاصَّة بتلكم العصبونات... ويجري تقييم أعمال الناس من قِبل الناس ـ غالبًا ـ اجتهادًا وتطفلًا وفضولًا واتكاءً على مشاعر الحُب والكُره، وتداخُل وتشابُك القرابات والمصالح والمضار والعلاقات، وعلى حُسن التقدير أو سوئه... وعلى هذه الأساسات والدَّوافع والمقاصد والنَّوازع تُصنَّف أفعال ومعاملات وسلوكيَّات الناس خيرًا أو شرًّا... وتُعَدُّ الجينات الوراثيَّة، والأزمنة والأمكنة في تحوُّلاتها، ومستويات التعليم والوعي والثقافة، وأساليب ومناهج التربية ونجاحها في صقل الشخصيَّة وتعميق مداركها وتهيئتها لمواجهة تحدِّيات المستقبل ورياحه العاتية من عدمه، وترسُّبات الطُّفولة... المؤثِّر الأساس في التوَجُّهات وتشكيل وخلق الرؤية وصياغة محتواها، وفي الحُكم على صنيع الآخر، وتصنيفه شجاعًا أو جبانًا، كريمًا أو بخيلًا، مؤمنًا أو غير ذلك... فالناس بطبيعتهم ينظرون إلى الأشياء ويطرحون آراءهم حَوْلَها اعتمادًا على مواقف وصوَر ومؤشِّرات ومصادر مختلفة تتعدَّد مذاقاتها وألوانها ومقاساتها. وباختلاف الموقع والناظر والمنظور تختلف الألوان، ويختلف التقييم والحكم على الأشياء في العقائد والمذاهب الفكريَّة والسياسيَّة والسلوكيَّات والتفاصيل الدقيقة المحيطة بحياة الناس. فاختلاف العلماء والعقلاء وأهل الحكمة والفكر في المسألة الواحدة وفي الرأي «رحمة»، فمن رحمِ ذلك الاختلاف والتباين في فَهْم النَّص ـ على سبيل المثال ـ تولد أفكار وآراء مهمَّة وتخريجات واجتهادات لها قِيمتها العلميَّة والمعرفيَّة والبحثيَّة تثري ساحة العِلم والفكر بمذاهب ونظريَّات واستنباطات تَقُود إلى التطوير والتغيير الإيجابي والَّتيسير ومواكبة التحوُّلات، إلى الارتقاء بالعلوم والمعارف الَّتي تُغْني المكتبة بمراجع هي من الأساسات للطالب والباحث والمجتهد؛ فالاختلاف في هذا الجانب فيه الخير والصلاح، وتحفيز الإنسان على الاجتهاد في طلب العِلم والبحث... إنَّ التعامل مع الآخر والتحاور معه ومناقشته في مختلف القضايا والأحكام والتعاملات الحياتيَّة اليوميَّة لا غنى عنها في المُجتمع الواحد، لإزالة اللَّبس وسُوء الفَهْمِ، ويَجِبُ أن تتكئَ على الوعي بمستوى التفاوت بَيْنَ إنسان وقرينه في الرُّؤية والفَهْمِ والسلوكيَّات الَّتي تحكمها ضوابط وتصوغها عوامل وتوجِّهها مؤثِّرات لها قدر من السُّلطة والتحكم. إنَّ الاختلاف في الرأي بَيْنَ الناس سُلوك محمود إذا ظلَّ قائمًا على الفَهْمِ والحوار والاستيعاب وتقدير المختلف، والإيمان بأنَّ المناقشات والحجج والمبرِّرات والحيثيَّات الَّتي تسعى إلى الإقناع هي الأُسلوب الأمثل لمعالجة الخلافات والتوصُّل إلى صيغة تُرضي جميع الأطراف. أمَّا المكابرة والعناد والجدال العقيم القائم على الجهل وإدخال المصالح الشخصيَّة فلن تَقُود إلَّا إلى الخصام والصِّراع والتخلُّف والقطيعة، وفضاء نعيشه خالٍ من السَّلام والحُب والطمأنينة والوئام والاستقرار النفْسي... فإن أختلف معك في الرأي حَوْلَ قضيَّة من القضايا أو موضوع من الموضوعات لا يعني أنَّني أُناصبك الخصومة أو أكنُّ لك موقفًا عدائيًّا تَبَلْوَر في وقت سابق، لكنَّني أختلف معك لأنَّ لي رؤيتي وموقفي وقناعاتي الخاصَّة الَّتي تتباين وتختلف مع قناعاتك ورؤيتك، ومن هنا فخلافي معك مبرَّر ومشروع وينبغي أن لا يفسدَ الودَّ بَيْنَنا. إنَّ احتكار الرأي والتطاول على حقوق الآخرين في الحوار المتكافئ، وفي حقِّ الاستماع إلى ما يعتمل في نفوسهم من رؤى وأفكار وما يمارسونه ويتمسكون به من صيغ ومعتقدات ووجهات نظر، ومنعهم من الكشف عمَّا يعتقدونه صحيحًا... باتَ واقعًا مفروضًا في منصَّات وقنوات وبرامج الإعلام الإلكتروني... في تطاول قائم على التنمُّر والتَّسفِيه والتحقير والازدراء، وإطلاق أشكال من التهديدات والإنذارات اتكاءً على الأنا المتضخِّمة والمستبدَّة المتسلِّطة الَّتي تؤمن إيمانًا مطْلقًا بأنَّها هي فقط الَّتي تمتلك الحقيقة وبيدها الناصية والقدرة على الفَهْمِ والإدراك، وما سواه باطل ووَهْم وغفل وجهل، معتقدة بكُلِّ يقين أنَّ ذلك الإيمان المتخيّل والمتَّكئ على القدرة على التنظير والمحاججة والسُّلطة المتوّهمة المتعاظمة يعطيها الحقَّ، بل كُلَّ الحقِّ لإسكاتِ كُلِّ صوت يخالفها الفكرة والرأي والمعتقد، دُونَما اعتبار أو التفات لحقائق أخرى لا ينبغي تسفيهها والقفز عليها، فنلمس ونجد ونكتشف في الكثير من المواقف والنقاشات بأنَّ البعض ممَّن قرأ كِتابًا أو نَصًّا أو استمع إلى رأي من شخص «مقدَّس» في نظره ومعتقده، أو لدَيْه قناعات متجذِّرة أو خرج إلى الناس بهيئة يظنُّ أنَّها تمنحه الحقَّ في فرض قناعاته وآرائه واجتهاداته على الآخرين بحجَّة أنَّها صحيحة، يتعصبون لها تعصبًا تجعلهم لا يطيقون جدالًا ولا مراجعة ولا حوارًا يدحض تصوُّراتهم، جاهلين بأنَّ تصرُّفهم ورؤيتهم الأحاديَّة الضيِّقة الَّتي يروِّجون لها بالتسلُّط والتهديد والتنمُّر هي الجهل بِعَيْنه وهي المصيبة المنذرة بأخطار عظيمة، سوف يكتوي أيُّ مُجتمع بنارها إذا تُرِكت وتمَّ تجاهلها والتَّهوين من شأنها.
سعود بن علي الحارثي