كثيرًا ما نسمع عن (جيل الطيِّبينَ) حيثُ الحديث عن الحياة الاجتماعيَّة في الجيل السابق، ملابسهم، طريقة معيشتهم، أكلاتهم، الأواني الَّتي يستخدمونها، وحتَّى طبيعة العلاقات الاجتماعيَّة، وجميعنا نتحدث عن مدى التغيُّر الاجتماعي الَّذي حصل من جيل الطيِّبينَ إلى جيلنا الحالي. ويبقى السؤال الَّذي يفرض نفْسه: هل التغيُّر الاجتماعي في المُجتمعات يكُونُ بعفويَّة؟ أم يُخطَّط له؟ وإن كان الجواب: إنَّ التغيُّر يكُونُ بفعل التخطيط؛ فهناك سؤال آخر يتبادر للأذهان وهو: هل نحن بصدد التخطيط لإحداث تغيُّر اجتماعي لمستقبل الأجيال؟ تلك الجدليَّة تحتاج لمناقشة.
نعم.. إنَّ التغيُّر الاجتماعي من الظواهر المعقَّدة الَّتي شغلتْ اهتمام المفكرين وعلماء الاجتماع، ويَدُور حَوْلَه تساؤل مهمٌّ: هل يحدُث التغيُّر الاجتماعي بشكلٍ مخطَّط ومدروس؟ أم أنَّه عمليَّة عفويَّة تنشأ تلقائيًّا من داخل المُجتمع؟ وفي تقديري أنَّه لا يُمكِن الإجابة عن هذا السؤال بإجابة قاطعة؛ لأنَّ التغيُّر الاجتماعي يجمع بَيْنَ الطابعين معًا؛ إذ يتشكل من تفاعل عوامل إراديَّة مقصودة وأخرى تلقائيَّة غير متوقعة.
وأرى أنَّ التغيُّر الاجتماعي قد يكُونُ مخطَّطًا له ومنظَّمًا، خصوصًا في المُجتمعات الحديثة الَّتي تعتمد على السياسات والاستراتيجيَّات لتحقيق التنمية. فالحكومات والمؤسَّسات تسعى إلى إحداث تغييرات محدَّدة من خلال وضع خطط مدروسة، مثل محو الأُمِّيَّة وتطوير التعليم، وتحسين الخدمات الصحيَّة، وتمكين المرأة، وتعزيز الاقتصاد. هذه الجهود لا تحدُث بشكل عشوائي، بل تعتمد على دراسات وأهداف واضحة تهدف إلى تحسين مستوى حياة الأفراد وبناء مُجتمع أكثر تقدمًا. ويظهر هذا النَّوع من التغيُّر في برامج الإصلاح الاجتماعي والقوانين الَّتي تسنُّ لتنظيم العلاقات داخل المُجتمع.
ولكن وجود التغيُّر الاجتماعي المخطَّط لا يعني غياب التغيُّر الاجتماعي العفوي والَّذي يحدُث نتيجة التفاعلات اليوميَّة بَيْنَ الأفراد والجماعات. وتبادل الثقافات بَيْنَ الشعوب في صوَره المختلفة؛ فالتغيُّر في القِيَم والعادات والتقاليد ـ على سبيل المثال ـ غالبًا ما ينشأ تدريجيًّا دُونَ تخطيط مباشر. كما أنَّ انتشار الأفكار الجديدة عَبْرَ وسائل التواصُل الاجتماعي أو التفاعل مع ثقافات أخرى قد يؤدي إلى تحوُّلات مفاجئة في أنماط التفكير والسُّلوك. كذلك، فإنَّ الأزمات مثل الحروب أو الكوارث الطبيعيَّة قد تُحدِث تغيُّرات اجتماعيَّة عميقة لم تكُن متوقعة أو مخطَّطًا لها.
ومن الأمثلة الواضحة على التغيُّر العفوي، ما يحدُث نتيجة التطوُّر التكنولوجي. فعلى الرغم من أنَّ التكنولوجيا نفْسها قد تكُونُ نتاج تخطيط علمي، إلَّا أنَّ آثارها الاجتماعيَّة غالبًا ما تتجاوز التوقُّعات؛ فظهور الهواتف الذكيَّة ووسائل التواصُل الاجتماعي غيَّر طبيعة العلاقات الإنسانيَّة وأنماط التواصُل، وأدَّى إلى ظهور ثقافات جديدة، دُونَ أن يكُونَ هذا التغيُّر الاجتماعي بكُلِّ تفاصيله مخطَّطًا مسبقًا.
كما أنَّ العلاقة بَيْنَ التغيُّر المُخطَّط والعفوي ليستْ علاقة تعارض، بل تكامل. ففي كثير من الأحيان، يبدأ التغيُّر بشكلٍ عفوي، ثم تتدخل المؤسَّسات المعنيَّة لتنظيمه وتوجيهه. وعلى العكس، قد تضع الجهات المختصَّة خططًا للتغيير، لكنَّ نتائج هذه الخطط تتأثر بردود فعل المُجتمع، ممَّا يجعلها تتَّخذ مسارات غير متوقعة.
ومن المُهمِّ أيضًا الإشارة إلى أنَّ نجاح التغيُّر الاجتماعي، سواء كان مخطَّطًا أو عفويًّا، يعتمد على مدى تقبُّل المُجتمع له. فالتغيُّر الَّذي يُفرض دُونَ مراعاة القِيَم والثقافة قد يواجِه مقاوَمة، بَيْنَما يكُونُ التغيُّر الناتج عن تفاعل المُجتمع أكثر استقرارًا واستدامة.
ويُمكِننا القول إنَّ التغيُّر الاجتماعي ليس عمليَّة عشوائيَّة بالكامل ولا مخطَّطة بشكلٍ كامل، بل هو مزيج من الاثنين فهو يبدأ أحيانًا من مبادرات مدروسة، ويتشكل أحيانًا أخرى من تفاعلات تلقائيَّة داخل المُجتمع؛ لذا فإنَّ فَهْمَ طبيعة هذا التغيُّر يساعد على التعامل معه بوعي، وتوجيهه نَحْوَ تحقيق التقدم مع الحفاظ على تماسُك المُجتمع وقِيَمه الأساسيَّة. وأرى أنَّ اتِّخاذ التدابير لتعزيزِ التغيُّر الاجتماعي المخطَّط له، ومراجعة ظواهر التغيُّر الاجتماعي العفوي قَبل انتشارها يساعد على الحفاظ على مُجتمعاتنا من التغيُّرات الاجتماعيَّة السلبيَّة وحماية هُوِيَّة مُجتمعاتنا... ودُمْتُم سالِمِين.
نجوى عبداللطيف جناحي
كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية
متخصصة في التطوع والوقف الخيري
Najwa.janahi@