تُعَدُّ العقلانيَّة سمةً راسخة في النهج السياسي لسلطنة عُمان، سواء على المستوى الداخلي أو مستوى الممارسة الدبلوماسيَّة تلك الَّتي ترتكز على التوازن والاعتدال وعدم التدخل في الشؤون الداخليَّة للآخرين، وتغليب الحوار على التصعيد في الأزمات العالميَّة.
تلكم المقاربة أثبتت فعاليَّتها في التعامل مع التحدِّيات الإقليميَّة والدوليَّة المعقَّدة والحنكة في مواجهة تداعيات الأزمات الإقليميَّة، فضلًا عن الحكمة والرُّشد في معالجة التحدِّيات الداخليَّة.
فقد أصبحت هذه العقلانيَّة العُمانيَّة تُمثِّل نهجًا مستمرًّا أسْهَم بالنتيجة في ترسيخ الاستقرار الداخلي أولًا لتتشكَّلَ بذلك القاعدة الصلبة والواثقة الَّتي تنطلق منها الدبلوماسيَّة العُمانيَّة في التعاطي مع الأزمات العالميَّة، ممَّا جعل من سلطنة عُمان نموذجًا يُحتذى به في إدارة الأزمات برويَّة واتِّزان وباحترام للمواثيق والاتفاقيَّات والتعهدات الدوليَّة.
وكنتيجة أيضًا للعقلانيَّة تمكنت سلطنة عُمان باقتدار من ترسيخ سيادة القانون وتعزيز مؤسَّسات الدَّولة، وصولًا إلى بيئة سياسيَّة مستقرَّة، حيثُ حرصت الدَّولة على تَبنِّي سياسات متوازنة تُراعي مصالح المُجتمع بمختلف فئاته، وتعمل على تحقيق العدالة الاجتماعيَّة والتنمية الشاملة والمستدامة الَّتي تضع اعتبارًا لمتطلبات الأجيال المقبلة جنبًا إلى جنب تلبية متطلبات الحاضر؛ إذ أسْهَم هذا الاستقرار السياسي في خلق مناخ إيجابي مكَّن الدَّولة من تنفيذ خططها التنمويَّة بثبات وقدرة على وضع التصورات العمليَّة للاستعداد لأيِّ تحدِّيات مستقبليَّة يُمكِن استقراؤها وفْقَ ما هو متاح من معطيات ومؤشِّرات.
وبالنتيجة أيضًا تبَيَّنَ بأنَّ لهذا النهج السياسي الداخلي والخارجي أثرًا مباشرًا في استمراريَّة النُّمو الاقتصادي بالبلاد وذلك باعتبار أنَّ توافر المناخ الآمِن والمستقر عادةً يُعَدُّ عاملًا رئيسًا في جذب الاستثمارات المحليَّة والأجنبيَّة، ويُعزِّز ثقة المستثمرين في الاقتصاد الوطني، حيثُ أسْهَمتِ السياسات الاقتصاديَّة المرتبطة بهذه العقلانيَّة في تنويع مصادر الدخل بالبلاد، وتقليل الاعتماد على النفط بما يتماشى مع مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، فأصبح بذلك الاقتصاد العُماني أكثر قدرة على التكيُّف مع التحدِّيات العالميَّة وأقلَّ عرضة للتقلُّبات الحادَّة.
وفي السياق الإقليمي والدولي الَّذي يشهد حالة مقلقة من الاضطرابات، برزتْ سلطنة عُمان كواحة للطمأنينة، حيثُ انعكستِ العقلانيَّة السياسيَّة للدَّولة في تَبنِّي مواقف متَّزنة قائمة على الحياد الإيجابي، والسَّعي الجادِّ إلى تقريب وجهات النظر ممَّا أبعد البلاد عن التداعيات السَّالبة للنزاعات والصراعات الإقليميَّة.
كما أسْهَم هذا النهج بوضوح في تعزيز الشعور بالأمان لدى المواطنين والمُقِيمين على حدٍّ سواء؛ إذ يشعر الجميع بأنَّهم يعيشون في بيئة مستقرَّة تَضْمن سلامتهم وتحمي أنْفُسهم وأموالهم وعروضهم حتَّى في أحلك الظروف.
وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ هذه الطمأنينة المُجتمعيَّة لم تكُنْ فقط نتيجة للاستقرار السياسي الَّذي تتمتع به البلاد، بل ثمرة لسياسات حكوميَّة تُعطي الأولويَّة لرفاه الإنسان، وتحرص على توفير الخدمات الأساسيَّة وعلى تعزيز جودة الحياة في ظلِّ تعاضد وتكاتف شَعبي قوي، وهو ما يعكس فهمًا عميقًا للعلاقة بَيْنَ الاستقرار السياسي والتنمية الاجتماعيَّة، خصوصًا وأنَّ كُلًّا منهما يُشكِّل ركيزة للآخر.
وعليه، يُمكِننا القول بأنَّ عقلانيَّة السياسة العُمانيَّة شكَّلت أساسًا متينًا لاستقرار البلاد وضمانًا لنُموِّها الاقتصادي المستدام، مستفيدةً في ذلك من التزامها بمرتكزاتها الأساسيَّة في التعاطي الدبلوماسي ومن رؤية متكاملة لإدارة الدَّولة والمُجتمع وتوازن مدروس بَيْنَ المصالح الداخليَّة والخارجيَّة، جميعها مرتكزات ورؤى عزَّزتْ من مكانة سلطنة عُمان كدولة ناجحة مستقرَّة ومؤثِّرة في محيطها الإقليمي والدولي.
طارق أشقر
من أسرة تحرير «الوطن»