عزيزي القارئ.. نستكمل ما تبقى من هذا الموضوع والذي نشر قبل شهر رمضان.. فقد أبرزت تلك الضمة سَعَةَ التحدي، وكِبَر المهمة، وشمول النهي والتحذير، كما أوضحتْ مكر المتربصين، وكثرة الباغين لها عوجًا، ولولا تلك الضمة لكان تحذيرًا عاديًّا لم نلتفتْ فيه إلى حجم العمل، وضرورة الوعي، وأخذ الحيطة، والحذر مما يفعله هؤلاء المتربصون بالدين، ودُعَاتِهِ، والملتزمين من أبنائه، وسعيهم لطمسه، وصَدِّ الناس عنه بأساليبَ، قد تخفى على بعض الناس، فيسيرون في ركبهم، ويمشون خلفهم، ثم يفاجؤون أنهم خرجوا عن حدود الله، وقطعوا شوطا كبيرا في البعد عنه، وتركوا الالتزام، وحياة الطاعة؛ جَرَّاءَ أساليبهم الشيطانية، وألاعيبهم الجهنمية الإبليسية.
ومن ثم يلزم القارئ للكتاب الكريم التدقيقَ في تلاوته، ودقة النظر لما قبلَ النونِ: أمفتوح هو، والفعل مبني على الفتح، ويخاطب شخصا مفردا، أم مضموم، وواو الجماعة محذوفة، ويكون الخطاب لجمع كبير، وخلق كثير، ومن وراء الضمةِ تتدفق جليل الدلالاتُ، وكريم المعاني النيرات، والحكم البالغات، والعظات الصادقات.
والنموذج الرابع هو: قوله تعالى:(إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة ـ 40).
هنا نجد في قوله تعالى:(وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى)، فعل من أخوات ظن من أفعال التحويل والجعل والتصيير، ينصب مفعولين، هما (كلمة الذين كفروا ـ السُّفلى)، وكان مقتضى العطف أن يقول عقبها:(وكلمةَ)، بفتح تاء (كلمة) عطفًا على ما قبلها كما هو معروف في أحكام المعطوف والمعطوف عليه (في باب العطف) لكنه لم ينصبها، وجاءت مرفوعة، مخالفة لمقتضى القاعدة، والظاهر، لكن مع التأمل واستشارة كتب التفسير وعلمائه نجد أن تلك المخالفة مقصودة، ووراءها دلالة عقدية ضخمة، هي أصل الاعتقاد، ويجب أن يستشعرَها كل مؤمن بهذا الكتاب العظيم، وبالله رب العالمين، إذ يعني العطف أن كلمة (الله) كانت سُفلى، ثم جعلها الله عُليا، وهذا فهم سقيم، وظنٌّ ضعيفٌ، وصاحبه لا يدري خطورة ما ذهب إليه، إذ إن الضمَّ يجعلها واوَ ابتداء، لا واو عطف للمفردات، أو يجعلها من قبيل عطف الجمل، وتكون (كلمة) مبتدأً أولَ، واسم الجلالة (اللهِ) مضاف إليه، والضمير(هي) مبتدأً ثاني، أو ضميرَ فصلٍ، لا محل له من الإعراب، ونحن نختار أنه مبتدأ ثان، و(العُليا) خبر المبتدأ الثاني، والجملة الاسمية:(هي العُليا) في محل رفع خبر المبتدأ الأول، ويكون المعنى أن (كلمة الله عُليا عُليا)، ابتداءً من غير جعل جاعل، ولا تدخُّل فاعل، فهي عُليا، وستظل عُليا، مهما بدا لك أن الإسلام اليومَ في انحدار، أو أنه زُحْزِحَ عن منزلته، وتأخر عن الركب، فـ(كلمة الله) عُليا ابتداءً، ولم تكن يومًا سُفلى حتى يرفعها الله، أو يرفعها عباده المؤمنون، فهي عُليا رغمَ أنفِ كلِّ البشر، لا يمكن أن تكونَ سُفلى في أيِّ لحظة من لحظات عمر هذا الكون كله؛ ومن ثم جاءت مضمومةً للتنبيه على تلك القضية العَقَدِيَّةِ التي ندين بها لله، أن كلمته عُليا دائمًا، دائمًا، وسرمدًا، وأزلًا، واستمرارًا وأبدًا، ولا يمكن لأحدٍ أن يجعلها سُفلى، فهي عُليا من أول يوم قيلت فيه، ولا يجري عليها ما يجري على البشر، مِنْ تحوُّل من علوٍّ إلى سُفُلٍ، ومن تدنٍّ إلى ارتفاع؛ لأنها عُليا، وعلوُّها ثابت، ودائم، وليس لقوة من قوى الأرضِ مهما كانت قدرتُها أن تجعل كلمة الله سُفلى، وإنما هي عُليا رغمتْ أنوف الجبابرة، والأكاسرة، والأباطرة، والقياصرة، والملوك، والرؤساء، والسلاطين.. وغيرهم، من خلق الله على اتساع ألقابهم، وتنوع نياشينهم، ومراتبهم.
وهكذا أدَّتِ الضمةُ دَوْرًا عَقَدِيًّا لم تكنْ لتؤديَه الفتحة، ولا ترقى إلى معشار دلالته، ولم تكن لتنهضَ ببيان جلال المعنى، وكمال المراد.
د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية