السبت 11 أبريل 2026 م - 23 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

أميركا تدفع أوروبا نحو الصين

أميركا تدفع أوروبا نحو الصين
الأربعاء - 08 أبريل 2026 04:13 ص

د.أحمد مصطفى أحمد

20


لم تكُنْ دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون «القوى الوسيطة» إلى العمل على بناء «نظام عالمي جديد» مجرَّد ترديد لدعوة رئيس وزراء كندا مارك كارني مطلع العام إلى الأمر نفْسه. لكنَّها إذا أُخذتْ في سياق ما يصدر الآن عن قادة أوروبيين بأنَّ «النظام العالمي القديم انتهى» يُمكِن أن تكُونَ دعوة ماكرون مع دعوة كارني مؤشِّرًا قويًّا على أنَّ ذلك «التحالف الغربي» الَّذي تَقُوده الولايات المُتَّحدة يحتضر بالفعل. قَبل نَحْوِ ستِّ سنوات كانت استراتيجيَّة الولايات المُتَّحدة الَّتي تبنَّتها إدارة الرئيس السَّابق جو بايدن هي بناء تحالف غربي تَقُوده واشنطن في سياق استعادة الدَّوْر العالمي لأميركا كقوَّة عظمى وحيدة. وكانت حرب أوكرانيا قَبل أربع سنوات أداة أساسيَّة في هذه الاستراتيجيَّة الَّتي احتاجت إلى «عدوٍّ موحَّد» هو روسيا. لكنَّ أوروبا شعرتْ بتهديد لم تخففْ منه سياسات إدارة بايدن، وزادتِ الخشية من أنَّ واشنطن لا تأخذ في الاعتبار بقوَّة أمن أوروبا ومصالحها الاقتصاديَّة بقدر تركيزها على الريادة والقيادة الأميركيَّة.

في النهاية استفادت أميركا من حظر أوروبا استيراد الطاقة من روسيا بتكديس مئات مليارات الدولارات من الأرباح للشركات الأميركيَّة الَّتي عوَّضت أوروبا عن النفط والغاز الروسي. في الوقت نفْسه لم تتدخل أميركا عسكريًّا بالقدر الَّذي تريده أوروبا لوقف الاجتياح الروسي لأوكرانيا. وباتَ واضحًا للأوروبيين أنَّ هدف إدارة بايدن هو مجرَّد «إصلاح» ما أفسدته إدارة ترامب الأُولى من صورة ووضع أميركا في العالم. ثم عاد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع العام الماضي بحزمة سياسات انعزاليَّة، بل و»انتقاميَّة» أحيانًا حتَّى من حلفاء أميركا وفي مقدِّمتهم الأوروبيون. ليس فقط عَبْرَ سياسات التعريفة الجمركيَّة، بل بالتَّهديد المستمر بالانسحاب من حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتصعيد اتِّهاماته للأوروبيين بأنَّهم «ناكري جميل» أميركا عليهم. حتَّى بريطانيا، الَّتي خرجتْ من الاتِّحاد الأوروبي (بريكست) وتُعَدُّ الحليف الأقوى لأميركا، لم تسلم من انتقادات ترامب وسخريته من قادتها، بل والتصلُّب معها اقتصاديًّا وتجاريًّا. ودفع ذلك الحكومة البريطانيَّة الحاليَّة بالبحث عن سُبل استعادة التعاون مع أوروبا أكثر، حتَّى لو لم يكُنْ ممكنًا العودة إلى عضويَّة الاتِّحاد الأوروبي.

هذا الأسبوع، أطلق العلماء الصينيون والأوروبيون القمر الصناعي المتطور «سمايل» لدراسة تأثير المجال الكهرومغناطيسي في الفضاء على مناخ الأرض. وهذا القمر الصناعي الفضائي البيئي هو ثمرة عقد من العمل المشترك الأوروبي الصيني في مجال أبحاث الفضاء وتكنولوجيَّته. ومع أنَّ المشروع بدأ في وقت لم تكُنْ فيه الخلافات بَيْنَ الغرب والشَّرق وصلتْ إلى المستوى الَّذي هي عليه الآن من التردِّي، إلَّا أنَّ سياسات أميركا الحاليَّة تجاه أوروبا تدفع الأوروبيين شرقًا ورُبَّما حتَّى نَحْوَ الصين أكثر. ومن غير المستبعد أن يَعُود التعاون في مجال الفضاء بَيْنَ الأوروبيين والصينيين، على الرّغم من استمرار ارتباط الصناعات الفضائيَّة الأوروبيَّة بنظيرتها الأميركيَّة. ورُبَّما كان هذا جوهر حديث ماكرون وكارني وغيرهما عن «القوى الوسيطة»، بمعنى أنَّ مجموعة دول متقدِّمة وصاعدة تتعاون فيما بَيْنَها دون قطيعة مع الولايات المُتَّحدة أو غيرها. إنَّما الأهم هو ألَّا تنفرد أميركا، بوضعها وسياساتها الحاليَّة، بقيادة النظام العالمي الجديد كقوَّة عظمى وحيدة في عالم أحادي القطب.

طبعًا من المبكر الحديث عن مدى فعاليَّة هذا التوَجُّه، خصوصًا وأنَّ الأطراف الَّتي تسمَّى «قوى وسيطة» ذات مصالح مختلفة ومتضاربة أحيانًا. فما زالت أوروبا متشكِّكة بقوَّة من الصين، وتسعى لوقف ما تعدُّه «الإغراق» الصيني لأسواقها على حساب صناعاتها الوطنيَّة ومنتجاتها المحليَّة. لكن لا شكَّ أنَّ سياسات الإدارة الأميركيَّة تدفع أوروبا أكثر نَحْوَ الشَّرق وحتَّى الصين بحثًا عن مصالحها المباشرة الَّتي لا ترى أنَّ واشنطن تأخذها في الاعتبار كثيرًا. بالطَّبع يعتمد أيُّ تقارب أوروبي صيني على مدى مرونة بكين في تلبية مطالب أوروبا دُونَ المساس بقوَّة بمصالحها الاقتصاديَّة. طبعًا من الشَّطط التفكير في أنَّ الصين يُمكِن أن تضحيَ بعلاقاتها مع أميركا لصالح تقارب مع أوروبا؛ فالسُّوق الأميركيَّة هي أكبر سُوق للصَّادرات الصينيَّة. كما أنَّ الاستثمارات الأميركيَّة تفوق بمراحل أيَّ استثمارات أوروبيَّة أو من جهات أخرى. من هنا فإنَّ فكرة نظام عالمي جديد متعدِّد الأقطاب تؤدي فيه تلك القوى الوسطيَّة دَوْر المركز يحتاج إلى كثير من الجهد والوقت والتفاهمات وحلول الوسط بَيْنَ الأطراف المختلفة. إلَّا أنَّه في ذلك المسار لن تتوقف أوروبا عن السَّعي لتحقيقِ مصالحها بتحالفات غير تحالفها التقليدي الأكبر مع الولايات المُتَّحدة، خصوصًا وأنَّ دولًا أخرى، مثل ما في منطقتنا، استشعرتْ «فك الارتباط» الأميركي مع المنطقة مبكرًا وبدأتْ في «تنويع» تحالفاتها من روسيا إلى الهند مرورًا بالصين.

على الضفَّة الغربيَّة للأطلسي، تعمل الولايات المُتَّحدة ـ سواء عن قصد أو بِدُونه ـ على تشجيع ذلك الاندفاع الأوروبي نَحْوَ الشَّرق وغيره. فالاستراتيجيَّة المعلنة لإدارة ترامب، وتصريحات فريقه المستمرَّة، تركِّز على ما تُسمِّيه «نصف الكرة الغربي» وهو ليس الغرب بمعناه التقليدي السابق الَّذي يشمل أوروبا. إنَّما قصد واشنطن هو أنَّ نطاق اهتمامها ينصبُّ على الأميركتين ورُبَّما يكُونُ بعده الجغرافي شمالًا الاستيلاء على جرينلاند من الدنمارك. وبالتَّالي هي استراتيجيَّة تستبعد أوروبا بالفعل من ذلك «التحالف الغربي» القديم، بل حتَّى تعدَّها منافسًا مناوئًا.

د.أحمد مصطفى أحمد

كاتب صحفي مصري

[email protected]