صندوق النَّقد الدّولي وإعادة تنظيم التَّمويل العالمي موضوع مهمٌّ سيطرح قريبًا على البوَّابة الاقتصاديَّة للعديد من الدول. ومع تصاعد الأزمات الاقتصاديَّة المتكررة، اتَّجهتِ الأنظار إلى صندوق النَّقد الدّولي، الَّذي تطوَّر أداؤه ما بَيْنَ الماضي والحاضر فأصبح أكثر إيلامًا لمواطني الدول الَّتي طبَّقتْ برامجه وسارتْ على هداه، مع بداية عمله في العام 1947، حين تحدَّث الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز (1944) والَّذي كان له دَوْر كبير في تصميم النظام المالي العالمي وقال (إنَّ ما اعتُبِر ذات يوم هرطقة أصبح اليوم مجازًا بوصفه محافظًا وتقليديًّا). كان ذلك بعد أن ساعد في إقناع زعماء العالم بأنَّ صندوق النَّقد الدّولي المنشأ حديثًا لا بُدَّ أن يسمحَ للدول الأعضاء بتنظيم التدفُّقات الماليَّة الدوليَّة كحقٍّ أساسٍ لها. وبعد هذه السِّنين والآن يدرك صندوق النَّقد الدّولي بشكلٍ خاصٍّ أنَّ تحرير حسابات رأس المال يستلزم بلوغ البلدان عتبة معيَّنة فيما يتَّصل بالمؤسَّسات الماليَّة والحاكمة، وأنَّ العديد من الأسواق الناشئة والدول النَّامية لم تبلغ هذه العتبة بعد. والأمر الأكثر أهميَّة هو أنَّ الصندوق تقبَّل حقيقة وجود بعض المجازفات إلى جانب الفوائد المترتبة على تدفُّقات رأس المال عَبْرَ الحدود، ممَّا دفع الاقتصاديين إلى مناقشة موضوع صندوق النَّقد الدّولي وإعادة تنظيم التمويل العالمي لأهميَّة الموضوع، خصوصًا في ظلِّ الأزمات الاقتصاديَّة المتكررة المرتبطة بالأحداث السياسيَّة المتلاحقة.
بدايةً صندوق النَّقد الدّولي هو مؤسَّسة ماليَّة دوليَّة تأسَّستْ في الـ(27) من ديسمبر 1945 بعد مؤتمر بريتون وودز الَّذي عُقد 1944، وهدفه الأساس الحفاظ على استقرار النظام المالي العالمي، وتقديم قروض للدول الَّتي تواجِه أزمات ماليَّة، ودعم السياسات الاقتصاديَّة والإصلاحات. والعالم اليوم يواجِه تحدِّيات جديدة مثل أزمات الديون في الدول النَّامية، التضخُّم العالمي، التغيُّرات الجيوسياسيَّة، هذه التغيُّرات كشفتْ أنَّ النظام المالي الحالي غير عادل أحيانًا، بطيء في الاستجابة، يركِّز على الدول الغنيَّة أكثر، ممَّا دفع إلى فكرة المطالبة بإعادة تنظيم التَّمويل العالمي، وهي مجموعة إصلاحات تهدف إلى جعل النظام المالي أكثر عدالة، وإعطاء الدول النَّامية صوتًا أكبر داخل صندوق النَّقد، وإعادة توزيع الحصص والتَّصويت، وأن يكُونَ أكثر مرونةً، بتسهيل شروط القروض وتقديم تمويل سريع وقت الأزمات، ودعم مشاريع الطاقة النظيفة، ومواجهة تغيُّر المناخ، وإيجاد الحلول.
يَجِبُ الاعتراف بأنَّ الصندوق واجَه العديد من الانتقادات الموجَّهة إليه مثل فرض «شروط قاسية» على الدول مثل التقشف، ورفع الدَّعم، وتأثيره على السِّيادة الاقتصاديَّة، وعدم مراعاة الظُّروف الاجتماعيَّة، كما حدَث في العديد من دول المنطقة الَّتي تعاملتْ مع صندوق النَّقد، والَّتي كان الهدف منها إصلاح الاقتصاد، وتقليل العجز، وجذب الاستثمارات، لكنَّ النتائج تختلف حسب طريقة التطبيق، ممَّا دفع إلى المطالبة بتحديث النظام المالي الحالي بما أنَّ صندوق النَّقد هو اللاعب الأساس في الاقتصاد العالمي، من أجلِ تحقيق التوازن بَيْنَ الاستقرار والعدالة، خصوصًا وأنَّ شروط صندوق النَّقد الدّولي الَّتي تُسمَّى «برامج الإصلاح» تأثيرها على المواطن يكُونُ مباشرًا وأحيانًا صعبًا بفضل المطالبة بتقليص دعم الدَّولة لكُلٍّ من (الوقود، الكهرباء، والمواد الأساسيَّة) ممَّا ينتج عنها ارتفاع الأسعار مباشرة (بنزين، نقل، غذاء) زيادة الضرائب مثل ضريبة القِيمة المضافة، فيصبح كُلُّ شيء أغلى حتَّى السِّلع اليوميَّة، وإصلاح المؤسَّسات الحكوميَّة، وخصخصة بعض الشركات، وتقليل عدد الموظفين في القِطاع العام، ممَّا ينتج عن ذلك البطالة، وعدم الاستقرار الوظيفي، وتحرير سعر الصرف بترك العملة تتحدد حسب السُّوق فتنخفض قِيمتها ممَّا يؤدي إلى ارتفاع أسعار السِّلع المستوردة، وتقليص الإنفاق الحكومي بخفض النفقات العامَّة فتضعف معها الخدمات مثل الصحَّة، والتعليم، والنقل، كُلُّ هذه القرارات تؤدي إلى غلاء المعيشة، وضغط كبير على الطبقة المتوسِّطة والفقيرة، وصعوبة تلبية الاحتياجات الأساسيَّة، ممَّا يستوجب وجود حماية اجتماعيَّة مع مكافحة الفساد، وفرض التنظيمات الماليَّة الخاصَّة بالإدارة الحصيفة للاقتصاد الكُلِّي لِتخففَ على المواطنين أعباء تطبيق سياسات الصندوق الَّتي تهدف إلى الإصلاح، ولكن على المدى البعيد.
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن»