لم يكن برنامج «تواصل»، الذي أطلقه البنك المركزي العماني قبل نيفٍ وعامين، مجرد جولةٍ بروتوكولية عبر محافظات سلطنة عُمان؛ إنما كان «مانيفستو» توعويًا طموحًا، استهدف ردم الفجوة بين المؤسسة النقدية السيادية وبين تطلعات المجتمع المعرفية.
انطلق البرنامج من مسندم شمالًا إلى ظفار جنوبًا، مرورًا بشمال الباطنة، حاملًا مشاعل «الاقتراض المسؤول» والتحصين ضد غوائل «الاحتيال المالي». ولكن، وفي ذروة الحاجة إليه، توارى البرنامج عن المشهد بشكل مفاجئ، تاركًا خلفه تساؤلاتٍ مشروعة حول مسببات هذا الغياب.
إننا، ومن منطلق الشراكة الإعلامية والوطنية، نناشد معالي محافظ البنك المركزي العماني بإعادة إحياء هذا المسير المحمود؛ فالإعلام التوعوي ليس ترفًا، بل هو ركيزة أساسية في تمكين المجتمع وحمايته.
لقد أرست النهضة المتجددة دعائم صلبة للتواصل المؤسسي، وجعلت منه استراتيجية وطنية لا مجرد خيارٍ إداري.
وقد سعت المؤسسات في مرحلتها الأولى إلى تنويع قنواتها عبر حلقات عمل تخصصية ولقاءات إعلامية وبرامج تأهيلية تلامس احتياجات المجتمع المحلي.
وهنا تبرز مسؤولية مركز التواصل الحكومي في تحويل هذا النهج إلى ثقافة مستدامة، والمضي قدمًا نحو ابتكار «جائزة وطنية للتواصل المؤسسي» تحفز الجهات على اجتراح أدوات تفاعلية خلّاقة تصل لغة المؤسسة بقلب المجتمع.
إن مبررات عودة «تواصل» وأشباهه من البرامج تكمن في خمسة مرتكزات جوهرية:
ـ تعزيز اقتصاديات المحافظات: إن وضع برامج سنوية للتفاعل الميداني يرفع كفاءة المحافظات ويمدها بالأدوات اللازمة لتنشيط دورتها الاقتصادية المحلية.
ـ الاستشعار المبكر للاحتياجات: من خلال النزول للميدان، تقف المؤسسة على نبض التطلعات الخدمية والاقتصادية، الأمر الذي يحول البيانات الحية إلى مدخلات دقيقة لصناعة الخطط الاستراتيجية.
ـ ترسيخ الثقة التبادلية: التواصل المباشر يوجد منصات حوار موثوقة، تحول التحديات إلى فرص للنمو، وتجعل من المواطن شريكاً في النجاح لا مجرد متلقٍ للخدمة.
ـ استراتيجية «الفعل لا ردة الفعل»: في ظل الطفرة الرقمية وتلاطم الشائعات، يصبح السبق المعلوماتي «درهمًا» للوقاية يغني عن «قنطار» من حملات التصحيح المرهقة. إن وصول المعلومة الرسمية أولًا هو الترياق الوحيد لسموم التضليل.
ـ المناعة المعرفية للأجيال: يحتاج جيل اليوم إلى محتوى رصين يعزز سلوكه القويم ويرفع من وعيه المعرفي، لضمان سلامة المجتمع واستقراره أمام تدفقات المحتوى الهجين.
إننا نؤمن يقينًا بأن «الفعل» هو من يجب أن يقود المشهد، وأن كلفة المبادرة دائمًا ما تكون أقل من كلفة المعالجة بعد فوات الأوان.
إن المسؤولية اليوم ملقاة على عاتق مركز التواصل الحكومي لصياغة استراتيجية وطنية تضمن تدفق الحوار بين المؤسسة والمجتمع بشتى شرائحه.
وإن إعادة إحياء برنامج «تواصل» ليست مجرد عودة لفعالية عابرة، إنما هي استعادة لجسور الثقة، واستثمار في الوعي الجمعي الذي يمثل صمام الأمان للاقتصاد الوطني. وكلنا ثقة في أن النداء سيجد صدى لدى صناع القرار.
محمود بن سعيد العوفي
كاتب وصحفي اقتصادي