الثلاثاء 07 أبريل 2026 م - 19 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : نهج التوازنات فـي السياسة العُمانية.. ثبات يصنع المصداقية

في العمق : نهج التوازنات فـي السياسة العُمانية.. ثبات يصنع المصداقية
الثلاثاء - 07 أبريل 2026 05:50 ص

د.رجب بن علي العويسي

140


تستند سياسة سلطنة عُمان الخارجيَّة إلى مبادئ واضحة ومُحدَّدة، ترتبط بشكلٍ وثيق بالتاريخ والثوابت العُمانيَّة في التعامل مع مختلف القوى والأطراف الدوليَّة، ومعطيات الموقع الجغرافي والدَّوْر التاريخي لعُمان في المحيط الهندي من ناحية، ورؤية سلطنة عُمان لعالم يَسُوده السَّلام والأمن والاستقرار والتفاهم بَيْنَ دوله وشعوبه، من أجلِ بناء حياة أفضل لأجياله، من ناحية ثانية.

وقد حرصت سلطنة عُمان ـ في ممارستها لسياستها الخارجيَّة ـ على دعم علاقاتها مع الأشقَّاء والأصدقاء، بما يُعزِّز المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة من صلات اقتصاديَّة وتجاريَّة وغيرها. وهي علاقة دولة بدولة، وليستْ مرتبطة بحزب أو نظام أو جماعة. لذلك انعكستْ هذه السياسة على دَوْر سلطنة عُمان الحضاري الفاعل والمؤثِّر في نماء المنطقة وازدهارها واستتباب الأمن والسَّلام فيها، مُنطلِقةً من مبادئ ثابتة وسياسات حكيمة تَقُوم على عدم التدخل في الشؤون الداخليَّة للغير، واحترام خصوصيَّات وقِيَم الآخرين وثقافاتهم، وتعزيز السِّلم والتفاهم الدوليين، ونشر ثقافة الحوار والسَّلام والوئام بَيْنَ الشعوب، واحترام آراء الآخرين وتوجُّهاتهم.

لقد كان لهذه السياسة أثَرها الإيجابي على الوطن وخطط وبرامج التنمية الوطنيَّة، من خلال فتح آفاقٍ أوسع أمام الاقتصاد العُماني ودعم قدراته عَبْرَ علاقات السَّلطنة مع مختلف الأطراف الإقليميَّة والدوليَّة. كما ظلَّتْ سياسة سلطنة عُمان الحياديَّة المتَّزنة نموذجًا عالميًّا إنسانيًّا يحظى بتقدير العالم، وشكَّلتْ هذه السياسة أهميَّة كبيرة للإنسان العُماني في احترام شعوب العالم له وتقديرها لمكانة سلطنة عُمان. بل إنَّ هذه السياسة كان لها أثَرها الأكبر على ثقة المواطن العُماني في قيادته الحكيمة الَّتي أحبَّها، وأدرك عظمة المواقف الَّتي اتَّخذتها في الحفاظ على اللُّحمة الوطنيَّة والثوابت العُمانيَّة ومصداقيَّة سياسة السَّلطنة أمام العالم.

فلقَدْ رسم حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ لعُمان منهجًا فريدًا وسياسة حكيمة في إطار التعاون الدولي، والعمل جنبًا إلى جنب مع الأُسرة الدوليَّة في كُلِّ القضايا الَّتي تهمُّ الإنسان والبيئة والتنمية. يَقُوم هذا المنهج على الشراكة والتعاون، وتحقيق العدالة والمساواة والتفاهم والسِّلم الدوليين، ومراعاة التنوع الثقافي وخصوصيَّة الشعوب وهُوِيَّتها وقِيَمها، وتأكيد القِيَم والمفاهيم الدوليَّة السَّامية الَّتي تُسهم في تعزيز الانسجام والتفاعل الحضاري بَيْنَ الشعوب على مختلف ثقافاتها. ولا شك أنَّ هذه السياسة الحكيمة حازت اهتمام العالم وثناءه، وتقدير الأُسرة الدوليَّة لهذا النهج، وأسْهَمتْ بشكلٍ كبير في تحقيق الكثير من الأهداف، من تقريب التواصل وتعزيز التكامل، وتحقيق الغايات الكبرى في سبيل سعادة البشريَّة واستقرارها.

وظلَّتْ سلطنة عُمان نموذجًا للسَّلام والحوار ورأب الصَّدع، وتعظيم الإنسان كأولويَّة في حياة الأُمم وجهود الحكومات. فكانتْ سياسة التوازن الَّتي ميَّزتِ المشهد العُماني ليستْ وليدة الصدفة أو تجربة وقتيَّة، بل ممارسة أصيلة وسلوكًا مستدامًا ومنهجًا رصينًا في العمل الوطني، ومَسيرة عُمانيَّة متوارثة في السياسة وإدارة الأزمات، بما تعكسه من ثبات المبادئ ومصداقيَّتها وقوَّة الإرادة، حيثُ سطَّر سلاطين عُمان أروع الأمثلة في تأكيد هذا النَّهج، بما شكَّل انعكاسًا للثقافة العُمانيَّة وتعبيرًا عن فِكر التسامح العُماني القائم على بناء أرصدة السَّلام والعمل الجمعي من أجلِ عالم يَسُوده الأمن والتنمية والازدهار. وهو ما انطبع على سلوك العُمانيين وعُرفت به أخلاقهم، وما زال وسيستمر ـ بإذن الله ـ نهجًا يُهتدى به ويَلْمَسه كُلُّ مَن زار عُمان واطَّلع على ممارسات أبنائها في التطوير والإدارة وبناء الدَّولة.

إنَّ تجسيد هذه السياسة في ما تعيشه المنطقة اليوم من أحداث وتصعيد عسكري بدأ في غزَّة واتَّجه إلى إيران، يضعنا أمام قراءة تاريخيَّة لعظمة السياسة العُمانيَّة في التعامل مع هذه الأحداث والمستجدَّات. إذ يبرز موقف سلطنة عُمان الواضح في هذه الأحداث، الرافض للأعمال العسكريَّة والدَّاعي إلى السَّلام، بما يجسِّد بصدقٍ ومسؤوليَّة عُمق وثبات ومصداقيَّة السياسة العُمانيَّة. إذ إنَّ الموقف المشهود لسلطنة عُمان تجاه القضيَّة الفلسطينيَّة، واستنكارها للعدوان الصهيوني وحرب الإجرام والإبادة الَّتي يَقُوم بها الاحتلال على غزَّة، وجملة المبادرات الَّتي اتَّخذتها، ووقوفها المستمر مع حقِّ الشَّعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلَّة على تُرابه الوطني وعاصمتها القدس، يؤكِّد أنَّ هذه القضيَّة ليستْ حالة سياسيَّة، بل قضيَّة عقديَّة ودينيَّة وفكريَّة ووجوديَّة، وشكَّلتْ جزءًا أصيلًا من ثوابته الوطنيَّة، لها حضورها الكبير وموقعها في الاهتمام الرَّسمي ممثَّلةً في القيادة الحكيمة لجلالة السُّلطان المُعظَّم والسياسة الخارجيَّة والمؤسَّسة الدِّينيَّة وغيرها، لذلك كان لها حضور راسخ في الوجدان العُماني.

وفي الشَّأن نفْسه، يُمثِل موقف سلطنة عُمان من عدم مشروعيَّة الحرب على الجمهوريَّة الإسلاميَّة في إيران استمرارًا لنهج الحكمة والعُمق السياسي، حيثُ تضع السَّلطنة الأمن والتنمية والتعايش والسَّلام فوق كُلِّ اعتبار. وكان موقفها واضحًا في رفض هذه الحرب واعتبارها تهديدًا للأمن والاستقرار في المنطقة. ولذلك جاء الحراك السياسي والدبلوماسي واسع النطاق لاحتواء التصعيد العسكري، بقيادة حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ نهجًا متزنًا ومسارًا حكيمًا، تأكيدًا لمسؤوليَّة السَّلطنة التاريخيَّة في دعم السَّلام، وتعزيز الحوار وسياسة الحياد الإيجابي.

وفي هذا السِّياق أيضًا، جاءتْ تصريحات معالي السَّيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجيَّة، في المحافل الإقليميَّة والدوليَّة، بشأن ضرورة وقف هذه الحرب، وتكاتف المُجتمع الدّولي لاتِّخاذ كُلِّ ما من شأنه إنهاؤها. كما أكَّدتْ تصريحاته وضوح موقف سلطنة عُمان بشأن عدم التطبيع مع «إسرائيل» في ظلِّ التصعيد العسكري، بما يعكس عُمق هذه السياسة وتوازنها وانسجامها مع منطق العقل والحكمة، وأنَّ السبيل الوحيد لحلِّ هذه الأزمات هو السَّلام العادل القائم على الحقِّ والمساواة والحوار. كُلُّ ذلك وغيره يعكس نهج التوازنات والحكمة والمصداقيَّة الَّتي التزمتها سلطنة عُمان في علاقاتها الدوليَّة وسياساتها الخارجيَّة، والَّتي ظلَّتْ محافِظةً على ثوابتها ومبادئها ومواقفها لِتُعَبِّرَ في الوقت نفْسه عن الخصوصيَّة العُمانيَّة وسيادة القرار الوطني.

ولمَّا كانتْ سياسة السَّلطنة معروفةً للجميع في الداخل والخارج، ومدركةً من الصغير والكبير، ونابضةً في وعي الإنسان العُماني؛ لكونها مبنيَّةً على ثوابت واضحة لا تتغيَّر بتغيُّر الظُّروف، أساسها استتباب الأمن والسَّلام، فقَدْ أنتجتْ هذه السياسة المتوازنة حكمةً في المواقف ورصانةً في قراءة الأحداث. وانعكس ذلك على الآليَّة الَّتي تعاملتْ بها سلطنة عُمان مع الأزمات والأحداث، بما يُعزِّز السَّلام ويرفع مستوى الوعي الإنساني لحماية البشريَّة من مخاطر الحروب وآثارها.

لقَدِ التزمتْ سلطنة عُمان بسياسة الحياد الإيجابي، وكثَّفتْ دَوْرها في تقريب وجهات النَّظر، ورفع منصَّات الحوار، للوصول إلى عمل مشترك يحفظ حقوق الجميع ويراعي خصوصيَّاتهم. وفرضتْ مواقف جلالة السُّلطان المُعظَّم حضورها الأخلاقي المتَّزن في السَّاحة الدوليَّة، ورسَّختِ الدبلوماسيَّة العُمانيَّة الهادئة والهادفة نموذجًا يُحتذى به، بما يعكس أخلاق العُمانيين وسِمات شخصيَّتهم في الوضوح والصِّدق والالتزام، واستحضار الأصالة العُمانيَّة في الطرح وصِدق التعبير، بعيدًا عن الازدواجيَّة، مع الحرص على دعم كُلِّ المبادرات الَّتي تُسهم في تحقيق الأمن والاستقرار.

وتبقى سلطنة عُمان العظيمة شامخةً أبيَّة عصماء حصينة، في وجْهِ الأكاذيب والافتراءات الَّتي تصدح بأبواق الفتنة. وسلطنة عُمان، كما ذكر الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، المفتي العام لسلطنة عُمان: «لم تعزل نفْسها عن العالم، بل عزلتْ نفْسها عن الفِتن». وهي سلطنة عُمان صوت الحكمة وواحة السَّلام، جزء أصيل وفاعل ومؤثِّر في استتباب الأمن والاستقرار في البيت الخليجي والعربي والعالمي، عندما يتَّجه مسار العمل فيه إلى الحكمة والتكامل بَيْنَ الإخوة والأصدقاء والأشقَّاء، وبناء أرضيَّات السَّلام والتنمية والتعايش والحوار وحقِّ الشعوب والدول في تقرير المصير وفْقَ مبادئ الحقِّ والعدل والمساواة والاحترام، وهي صاحبة القرار والرأي الواعي المتَّزن والمستشرِف لمستقبل الإنسانيَّة وعظمة المشتركات ووقف كُلِّ أشكال التغريب القِيَمي والتأريخي والأخلاقي، وعندما يغرِّد المسار خارج الأهداف والقِيَم والمبادئ والأعراف الدوليَّة والإنسانيَّة الرَّاقية، ويتَّجه إلى السياسات الاندفاعيَّة والتهور والتصعيد العسكري والحروب غير المشروعة، والتدخل في شؤون الغير، وإثارة النعرات المذهبيَّة، وإقصاء الهُوِيَّات، وفرض سياسة الأمر الواقع والوصاية على السيادة الوطنيَّة.

أخيرًا، لقد جسَّدتِ السياسة الخارجيَّة في ثباتها ومصداقيَّتها والتزامها بالثوابت الوطنيَّة، نموذجًا حضاريًّا فاعلًا يتناغم مع عظمة سلطنة ُعُمان وتاريخها المشرِق على مرِّ العصور، ودَوْرها في السَّاحة الدوليَّة وتأثيرها الفاعل في أمنه واستقراره، انطلاقًا من النَّهج السَّامي لجلالة السُّلطان وعاطر خِطابه السَّامي: «لقد عرف العالم عُمان عَبْرَ تاريخها العريق والمشرِّف، كيانًا حضاريًّا فاعلًا، ومؤثِّرًا في نماء المنطقة وازدهارها، واستتباب الأمن والسَّلام فيها».

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]