الثلاثاء 07 أبريل 2026 م - 19 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : الأسرة.. السند الحقيقي وقت الشدة

أضواء كاشفة : الأسرة.. السند الحقيقي وقت الشدة
الثلاثاء - 07 أبريل 2026 04:50 ص

ناصر بن سالم اليحمدي

140

التكافل الاجتماعي ليس مجرَّد مفهوم نظري تتناقله الكتب أو تردِّده الخطب، بل هو روح حيَّة تسري في أوصال المُجتمع تمنحه الدفء حين تقسو الأيَّام، وتُعِيد إليه توازنه حين تَدُور به المِحن.. وهو في جوهره تعبير صادق عن إنسانيَّة الإنسان وعن قدرته على الشعور بالآخرين ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم.. فيصبح المُجتمع كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسَّهر والحمَّى.

وفي قلب هذا البناء الإنساني المتماسِك تقف الأُسرة لا بوصفها وحدة اجتماعيَّة فحسب، بل باعتبارها الحصن الأوَّل الَّذي يحتمي به الفرد من تقلُّبات الحياة.. فالأُسرة هي الملجأ حين تضيق السُّبل.. وهي اليد الَّتي تمتدُّ دُونَ طلب.. والقلب الَّذي يخفق بالحُب دُونَ انتظار مقابل.. وعندما يمرُّ أحد أفرادها بأزمة، سواء كانت ماديَّة أو نفسيَّة أو صحيَّة تظهر حقيقة هذه الروابط ويتجلَّى معدنها الأصيل.

ففي أوقات الأزمات حين تتكاثر الضغوط وتشتدُّ وطأة الحياة لا يجد الإنسان سندًا أصدَق من أُسرته.. ففي حضن الأُسرة تتلاشى مشاعر الوحدة ويجد الفرد مَن يُصغي إليه دُونَ حُكم.. ومَن يُسانده دُونَ تردُّد.. فالأُسرة لا تكتفي بالمواساة بالكلمات، بل تتحول إلى قوَّة حقيقيَّة تُعِين الفرد على مواجهة التحدِّيات فتتقاسم معه الأعباء وتخفِّف عنه ثقل المِحن وتُعيد إليه الأمل حين يوشك على الانطفاء.

وكم من إنسان كاد ينكسر تحت وطأة الظروف لولا أن امتدَّتْ إليه يد الأُسرة تُمسكه قَبل السقوط وتذكِّره بأنَّه ليس وحده في هذا العالم.. فوجود مَن يقف إلى جانبك في الشدَّة لا يخفِّف الألم فحسب، بل يمنحك قدرة على الصمود ويُعِيد تشكيل داخلك من جديد لِتخرجَ من الأزمة أكثر قوَّةً ونضجًا.

إنَّ وقوف الأُسرة إلى جانب أحد أفرادها ليس واجبًا مفروضًا بقدر ما هو انعكاس طبيعي لعُمق الانتماء.. ففي لحظات الضعف يحتاج الإنسان إلى مَن يؤمن به حين يتزعزع إيمانه بنفْسه.. وإلى مَن يربتُ على كتفه حين تثقل عليه الهموم.. وهنا تتجلَّى عظمة الأُسرة المتماسكة الَّتي لا تترك فردًا يسقط وحيدًا، بل تحيط به كالسُّور وتُعِيد إليه قوَّته شيئًا فشيئًا.

ولا يقتصر هذا السَّند على الأُسرة الصغيرة، بل يمتدُّ لِيشملَ الأُسرة الكبيرة بكُلِّ فروعها وأجيالها.. ففي لحظات الشدَّة تتلاشى المسافات وتُمحى الخلافات وتتّجه القلوب نَحْوَ هدف واحد هو حماية الفرد ودعمه.. فتجد الأقارب يتقاسمون المسؤوليَّات، ويقدِّم كُلٌّ منهم ما يستطيع، سواء بالكلمة الطيِّبة أو بالمسانَدة الماديَّة أو حتَّى بمجرَّد الحضور الَّذي يبعث الطمأنينة في النفوس.. فحين تتآزر الأيدي وتتَّحد القلوب يصبح الدَّعم أكثر قوَّةً وتأثيرًا.. الجدُّ بخبرته والأب بحكمته والأُم بعاطفتها والإخوة بتضامنهم والأقارب بمساندتهم.. كُلُّهم يُشكِّلون شبكة أمان واسعة تحمي الفرد من الانكسار وتُعِينه على النهوض من جديد.

إنَّ الأُسرة في الأزمات تُشبه الجدار الَّذي يستند إليه الإنسان حين يتعب فإن لم يمنعْه من التَّعب فإنَّه يمنعه من السقوط.. وهي كذلك النور الَّذي يلوح في نهاية النَّفق ويبشر بأنَّ الفرج قريب، وأنَّ العُسر يعقبه يُسر.. فحين يشعر الفرد أنَّ خلْفَه مَن يدعمه يصبح أكثر قدرة على المواجهة وأكثر إيمانًا بأنَّ المِحن مهما طالت لا تَدُوم.

وفي المُجتمعات الَّتي يترسَّخ فيها هذا التلاحم الأُسري، ومنها مُجتمعنا العُماني الوفي، تقلُّ آثار الأزمات على الأفراد، تقلُّ مظاهر التفكُّك والانعزال، ويشعر الأفراد بأنَّهم ليسوا وحدهم في مواجهة الحياة؛ لأنَّ الدَّعم لا يكُونُ فرديًّا، بل جماعيًّا.. وهذا ما يجعل التكافل داخل الأُسرة نواة لتكافلٍ أوسع يشمل المُجتمع بأسْرِه فيتحول إلى شبكة أمان كبيرة تحمي الجميع.. فالتكافل يخلق بيئة يَسُودها الاطمئنان ويزرع في النفوس الطمأنينة، ويُعزِّز قِيَم الرَّحمة والتعاون.. كما أنَّه يُربِّي الأجيال على معاني العطاء والوفاء، ويغرس فيهم إدراكًا عميقًا بأنَّ قوَّة الإنسان لا تكمن في استقلاله التَّام، بل في قدرته على الارتباط بالآخرين.. فحين يرى الأبناء هذا النموذج الحيَّ من التَّلاحم ينشؤون وهم يحملون هذه القِيَم في قلوبهم لِينقلُوها بِدَوْرهم إلى الأجيال القادمة.

وفي زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتزداد فيه النزعة الفرديَّة، تبرز الحاجة أكثر من أيِّ وقت مضى إلى إحياء روح التكافل والتَّمسُّك بروابط الأُسرة.. فمهما بلغ الإنسان من نجاح أو قوَّة يبقى في حاجة إلى مَن يسانده وإلى بيت يأوي إليه وإلى قلوب تحتضنه دُونَ شروط.

إنَّ الأُسرة الَّتي تقف صفًّا واحدًا في وجْه الأزمات لا تخرج منها ضعيفة، بل تزداد قوَّةً وترابطًا.. فالمِحن رغم قسوتها تكشف عُمق المَحبَّة وتُعِيد ترتيب الأولويّات وتذكِّر الجميع بأنَّ الروابط الإنسانيَّة هي الثروة الحقيقيَّة الَّتي لا تقدَّر بثمن.

وهكذا تبقى الأُسرة السَّند الحقيقي في وقت الشدَّة، والملاذ الآمن حين تضيق الدُّنيا، والجسر الَّذي يَعْبر به الإنسان من الضعف إلى القوَّة.. فمَن كان له أُسرة متماسكة فقَدِ امتلك درعًا تحميه، وقلبًا يحتضنه، وقوَّةً تدفعه لمواصلة الطريق مهما كانتِ الصِّعاب.. فهي النُّور الَّذي يبدِّد عتمة الأزمات، والجسر الَّذي يَعْبر به الإنسان من الضعف إلى القوَّة، ومن الوحدة إلى الانتماء.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني