تطرَّقنا بالمقال السَّابق حَوْلَ تطوُّر كاريزما المرأة في بدايات الفترة النبويَّة الشريفة وكذلك بالعصر الأموي، وسوف نعرج بمقالنا اليوم حَوْلَ العصر العباسي، حيثُ ظهره الكثير من النساء اللاتي كان لهنَّ الكثير من الأدوار المهمَّة، سواء في الخلافة أو في الحياة الاجتماعيَّة. وقد ظهر دَوْر المرأة بشكلٍ واضح بجانب الخليفة واجتياز الكثير من المصاعب الَّتي كان يتعرض لها خلال فترة الولاية ومن بَيْنِ أشْهَر نساء العصر العباسي زبيدة زوجة الخليفة هارون الرشيد والَّتي كانت بمثابة بصمة واضحة في الخلافة العباسيَّة والحضارة الإسلاميَّة. وقد كانتْ من النساء اللاتي تركنَ وراءهنَّ بصمة واضحة في الحياة؛ فقَدْ أقدمتْ على الكثير من الأعمال الخيريَّة، حيثُ عملتْ على بناء أحواض ساقية للحجَّاج، خصوصًا القادمين من بغداد إلى مكَّة المكرَّمة، ويوجد بئر باِسْمِها حتَّى اليوم، كما أنَّها اشتهرتْ بكثرة العطاء للمحتاجين والفقراء.
نتطرق إلى بعض النقاط الرَّئيسة الَّتي تخصُّ ما بدأتْ به المدارس الدبلوماسيَّة الأجنبيَّة معتمدةً على تطوُّر الحضارة الإسلاميَّة، وبالتأكيد خلال قيام الحلقات العمليَّة والنظريَّة على مختلف شرائح المُجتمع، سواء كبار الشخصيَّات أو الطبقات الأخرى. ففي بريطانيا بدأتِ المدارس المتوسِّطة بتدريس إتيكيت المرأة بأُسلوب حديث ومعاصر يَمَسُّ حياتها اليوميَّة، وخصوصًا بعد الحرب العالميَّة الثانية، حيثُ تنافستِ المدْرستانِ الفرنسيَّة والإنجليزيَّة بذلك.. ونحن كمُجتمع عربي وإسلامي، نختلف كثيرًا مع ثقافة وعادات المُجتمع الغربي والأجنبي، ولكن اقتبسنا منهم ما هو مفيد ومطابِق لعاداتنا وأخلاقنا العربيَّة الإسلاميَّة الأصيلة، وخصوصًا أنَّ هناك أُمورًا كثيرة تَمَسُّ لقاءات المرأة العربيَّة أهمُّها: اختيار ألوان وأماكن الملابس (صباحيَّة، مسائيَّة) ـ العطور وأنواعها وأوقاتها ـ المكياج ـ الإكسسوارات ـ الثقافة والشهادات والخبرات الَّتي لدَيْها ـ لباقة اللسان ومفردات الكلام ـ وأخيرًا لُغة الجسد من حركة العينين واليدين الَّتي تؤثِّر في اللقاءات الرسميَّة وغيرها. كما يُعَدُّ جلوس المرأة في المحافل الدوليَّة أو في الدَّوام الرَّسمي أو حتَّى عند الأقارب والعائلة من المواضيع الَّتي تعكس أدبها وتربيتها الإسلاميَّة والعربيَّة الأصيلة، حتَّى وإن كان الجلوس للنِّساء فقط.
حديثًا، أوصتِ النظريَّات السلوكيَّة التابعة للمدارس الدبلوماسيَّة الحديثة والعصريَّة بما يضيف إلى كاريزما المرأة الشيء الكثير في حياتها اليوميَّة، مستندًا إلى كثير من جواهر الإسلام، ومنها ما يلي: لا تبعدي الأفخاذ عن بعضها كثيرًا، ولا تجعلي الأقدام تنحرف إلى الخارج ـ لا تلففي السيقان على بعضها كما تلف الأفعى حَوْلَ الشجرة ـ يَجِبُ أن يكُونَ الظهر بزاوية قائمة (90) درجةً عند الجلوس باللِّقاءات الرسميَّة، وبنصُ مقعد الكرسي، والأقدام متقاربة بعضها لبعض ـ لا تقدِّمي الأقدام إلى الأمام كثيرًا، وإنَّما يَجِبُ أن تكُونَ متوازيةً مع نهاية الكرسي بمسافة (10) سم ـ يَجِبُ أن تكُونَ اليدان مشدودتيْنِ إلى الجسم فقط ـ استخدام الكفين في الكلام كلُغة الجسد للتعبير ـ لا تحني ظهركِ إلى الأمام كأنَّك في حالة التهيؤ للنهوض ـ والجلوس المثالي هو أن تخفضي وركك وظهرك منتصب وقائم، ثم اجلسي براحة دُونَ أن تضعي ساقَيْكِ على بعضهما بعضًا ـ عدم وضع العطور النفَّاذة في الأعمال اليوميَّة الرسميَّة في الغُرف المغلقة ـ اختيار ووضع العطور الهادئة في الأنشطة الرسميَّة والاجتماعيَّة الصباحيَّة، والابتعاد عن العود الزَّيتي حتَّى في اللِّقاءات المسائيَّة ـ الابتعاد عن لبسِ الذَّهب أو الإكسسوارات المبالغ فيها ـ اهتمِّي كثيرًا بجَمال وجْهكِ بالاعتماد على نوع البشرة وشكل الوجْه والعينين، وغالبًا ما يكُونُ المكياج الصباحي هادئًا جدًّا بعيدًا عن الأصباغ والابتذال فيه ـ الكارثة الكبرى في جَمال الوجْه هو وضع مكياج صارخ والذَّهاب إلى الأسواق أو العمل. ولأنَّ المكياج هو من جَماليَّات المرأة لا يجوز لها إطلاقًا أن تشيعَه أمام الآخرين ـ تهذيب لباقة اللِّسان، ونبرة الصوت أن تكُونَ في غاية الهدوء ـ الصَّمتُ يزيد من هيبة المرأة، وأن يكُونَ كلامها عندما يُطلَب منها أو تستأذن للكلام أو المداخلة ـ لا تنقلي مشاكل البيت إلى باحة وساحة عملك ـ تجنَّبي إحراج الآخرين بالسؤال خارج نطاق الجلسة ـ امتنعي عن مضغ العلكة أمام الآخرين ـ قَبول النَّصيحة والنَّقد الإيجابي دائمًا؛ لأنَّ هذا من دلالات الشخص المثقف الأكاديمي ـ دائمًا استخدمي كلمات الشكر والاستئذان وأيضًا «لو سمحت» أو «ممكن من فضلك»؛ لأنَّ فيها دلالات كبيرة على حُسن التربية ـ احرصي على البساطة في مظهرك العام؛ لأنَّه دلالة التمكُّن وحُب التواضع بالحياة.
وفي الختام، على المرأة العربيَّة المُسلِمة ـ وقدر الإمكان ـ الالتزام بالحشمة والتواضع، والابتعاد عن التَّباهي بما تملكه من جَمال ومال، والحجاب ليس بالملابس فقط، وإنَّما حجاب اللِّسان والقلب والروح والتصرُّف اليومي، والعمل بكُلِّ إخلاص وجديَّة، والتقرُّب إلى عامَّة النَّاس بحُسن النيَّة لغرضِ الاستفادة والإفادة بنفْس الوقت.
د. سعدون بن حسين الحمداني
دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت