الثلاثاء 07 أبريل 2026 م - 19 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

نجاح بلا ضجيج يصنع الفارق

نجاح بلا ضجيج يصنع الفارق
الثلاثاء - 07 أبريل 2026 04:39 ص

إبراهيم بدوي


أنا ليس لي علاقة مع أحد ممَّن يُديرون جهاز الاستثمار العُماني، ولا أعرف تفاصيل ما يجري داخل هذه المؤسَّسة، ومجال عملي الحالي بعيد عن أيِّ تقاطع للمصالح.. أقول ذلك لأنَّ ما أراه من إنجاز يستحق التأمل؛ لذا أتعامل مع ما تحقَّق بوصفه نتيجة تستحق القراءة، نتيجة اعتقد أنَّها تعكس مسارًا من العمل الهادئ الَّذي تراكَم حتَّى وصل إلى هذه اللَّحظة. فحين يصل كيان إلى أن يكُونَ ضِمن أفضل (3) إلى (5) صناديق ثروة سياديَّة على مستوى العالم، فنحن أمام مؤشِّر واضح على رحلة لم تبدأْ بالأمس ولم تصنعْها صدفة، رحلة تشكَّلت عَبْرَ سنوات من الجهد الَّذي ظلَّ بعيدًا عن الضَّوء حتَّى اكتمل وفرَضَ نفْسه، وهذه الفكرة تلمسني بشكلٍ مباشر؛ لأنَّني أرى أنَّ أغلب ما نبنيه في حياتنا يمرُّ بهذه المرحلة الصَّامتة، مرحلة لا يلتفت فيها أحد لِمَا تفعله ولا تجد فيها تصفيقًا أو تقديرًا، وتبقى فيها وحدك أمام اختياراتك اليوميَّة، وهنا يتحدَّد معنى الاستمرار لأنَّ القِيمة الحقيقيَّة لأيِّ جهد تَظهر في قدرته على الصمود قَبل أن تظهرَ في نتائجه. وأجد في هذا النموذج ما يُعِيد ترتيب فهمي لفكرة النجاح، حيثُ يتحول من لحظة إعلان إلى مسار طويل يتشكل في الخفاء، وينضج في الصَّمت قَبل أن يُرى في العلن.

يميل البعض إلى قياس النَّجاح بما يظهر على السَّطح، بَيْنَما تكشف التجارب الأعمق أنَّ البناء الحقيقي يتحقق بعيدًا عن عدسات الانتباه، وهذا ما أقرؤه في نموذج نجاحات جهاز الاستثمار، الَّذي يقدِّم صورة مختلفة لمعنى العمل، حيثُ يتجاوز فكرة الإنجاز المرتبط بالظهور إلى فكرة القِيمة الَّتي تتشكل بهدوء داخل المنظومة. فالتركيز هنا لم يكُنْ على تسجيل أرقام وإعلانها لاكتساب نجاح وقتي، لكنَّني أرى أنَّ ما تمَّ قام على تأسيس مسار يعتمد على التنويع والاستدامة وتعزيز الأثر الاقتصادي، وهي اختيارات تعكس عقلًا يعمل على المدى الطويل، وتُعِيد تعريف العلاقة بَيْنَ الجهد والنتيجة.. وهذه الزاوية تطرح أمامي تساؤلًا شخصيًّا لا يُمكِن تجاهله، حَوْلَ طبيعة ما نفعله عمومًا أفرادًا وكيانات، هل نتحرك بدافع أن نرى إنجازًا نفتخر به؟ أم بدافع أن نبنيَ مستقبلًا مستدامًا للأجيال القادمة؟ لأنَّ الفارق بَيْنَ المسارَيْنِ كبير؛ فالأول يمنحك حضورًا سريعًا يتلاشى مع الوقت، والثاني يمنحك قِيمة تتراكم بصمتٍ حتَّى تصبحَ واقعًا لا يحتاج إلى إعلان.

ولعلَّ أكثر ما أثار إعجابي هو أنَّ جهود جهاز الاستثمار تظهر قِيمة هذا المسار بشكلٍ أوضح، وذلك عند النظر إلى كيفيَّة التعامل مع التحدِّيات، حيثُ لا يَسير أيُّ مشروع في خطٍّ مستقيم، ولا تتشكل النتائج الكبيرة دُونَ محطَّات مراجعة وتصحيح، ويتجلَّى ذلك في ما تمَّ مع مشروعَي البشائر والنَّماء، الَّلذين كان يسهل إغلاقهما، خصوصًا وأنَّهما مشروعان تعرَّضا لصعوبات الجائحة وسلاسل الإمداد، لكنَّ الجهاز اختار الحلَّ الأصعب، حيثُ جرَى التعامل مع التحدِّيات من خلال إعادة هيكلة ودمج كيانات وتغيير إدارات والبحث في أسباب القصور، والعمل على إزالة معوِّقات حقيقيَّة على الأرض مثل طريق الوصول الَّذي كان عائقًا أمام المستثمرين، وصولًا إلى استعادة الثقة والتقدُّم نَحْوَ شراكات جديدة، وهذه الصورة تقدِّم فهمًا مختلفًا لمعنى النجاح، حيثُ يرتبط بقدرة مستمرَّة على التقييم واتِّخاذ قرارات حاسمة تُعِيد ضبط المسار، وهو نموذج يتعلق بقدرتنا في حياتنا على القيام بنفْس الخطوات، فهل نمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ؟ وهل نمتلك الجرأة لإعادة ترتيب ما بنيناه حين نكتشف أنَّه يحتاج إلى تصحيح؟ لأنَّ مواجهة الحقيقة تُمثِّل بداية الطريق نَحْوَ مسار أكثر دقَّةً واتزانًا.

إنَّ ما يلفتُ الانتباه هو مسار الجهاز، حيثُ إنَّ تطوُّره، والشركات التابعة له تُعبِّر بوضوح عن الرُّؤية السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ، رؤية تختار الطريق الأصعب الَّذي يصنع الفارق في المستقبل، حيثُ يظهر هذا التوَجُّه في الإصرار على بناء نماذج اقتصاديَّة تَقُوم على الاستدامة وتعظيم القِيمة وتوسيع الأثَر الاقتصادي، وفي تَبنِّي قرارات تحتاج إلى شجاعة وصبر لتحقيقِ نتائج ممتدَّة لا ترتبط بلحظة زمنيَّة محدودة. ويعكس هذا المسار السَّامي أيضًا إدراكًا عميقًا لطبيعة التحوُّلات الاقتصاديَّة العالميَّة، وأهميَّة بناء منظومة قادرة على التكيُّف مع المتغيِّرات وتعزيز القدرة التنافسيَّة للاقتصاد الوطني. ويترجم هذا النَّهج الَّذي أرساه عاهل البلاد المُفدَّى في دعم المشروعات الَّتي تولد قِيمة حقيقيَّة وتفتح مجالات جديدة للنُّمو، وتوفِّر فرص عمل وتستفيد من الموارد الوطنيَّة والبنية الأساسيَّة، كما يمنح هذا التوَجُّه نموذجًا واضحًا لمعنى القيادة الَّتي تصنع الفارق من خلال العمل المتراكم والرُّؤية بعيدة المدى، ويضع أمامي تصوُّرًا مختلفًا لمعنى الاختيار حين يتعلق بالمستقبل، حيثُ يصبح الطريق الأصعب هو الخيار الأكثر واقعيَّة؛ لأنَّه يحمل في داخله قدرةً أكبر على الاستمرار وصناعة الأثَر.

إبراهيم بدوي

[email protected]