منذُ انطلاق عصر النَّهضة المباركة ونهضتنا المُتجدِّدة، كان القِطاع الصحِّي في سلطنة عُمان حاضرًا بوصفه إحدى الرَّكائز الأساسيَّة لبناء الإنسان وتعزيز استقراره. ويأتي الاحتفال باليوم العالمي للصحَّة لِيعكسَ هذا المسار المُتراكِم ويمنحه بُعدًا عالميًّا يربط التَّجربة العُمانيَّة بالحراك الدولي نَحْوَ تعزيز الابتكار والاعتماد على العِلم في مواجهة التحدِّيات الصحيَّة، حيثُ تطوَّر هذا القِطاع عَبْرَ مراحل متتالية حتَّى وصلَ إلى مرحلةٍ يُعادُ فيها تعريف دَوْره ضِمن منظومة السِّيادة الوطنيَّة؛ ذلك أنَّ تقديم الرِّعاية الصحيَّة غير محصور في إطار الخدمة العلاجيَّة، وإنَّما أصبح جزءًا من منظومة متكاملة لإدارة المخاطر واستباق التَّهديدات الصحيَّة. ويَظهر ذلك في تطوير أنظمة الترصُّد القائم على الحدَث الَّتي تعكس انتقالًا نوعيًّا نَحْوَ نموذج يعتمد على الكشف المبكر، والتَّحليل اللَّحظي للبيانات الصحيَّة، بما يمنح النِّظام قدرةً أعلى على الاستجابة السَّريعة وتقليل أثَر الأزمات. ويؤسِّس هذا التَّوَجُّه لمرحلةٍ تتعامل فيها الدَّولة مع الصحَّة؛ باعتبارها عنصرًا استراتيجيًّا يرتبط مباشرةً باستقرار المُجتمع واستدامة التنمية، ويضع القرار الصحِّي ضِمن إطار التَّخطيط السِّيادي الَّذي يُوازن بَيْنَ الوقاية والاستجابة، ويُعِيد صياغة دَوْر المؤسَّسات الصحيَّة لِتصبحَ مراكز لإدارة المخاطر الصحيَّة بكفاءة واستباقيَّة.
ويعكس التحوُّل الرَّقمي في القِطاع الصحِّي العُماني انتقالًا واضحًا نَحْوَ إعادة تصميم تجربة المريض بشكلٍ شامل، حيثُ تتجسَّد هذه النَّقلة في تقليص زمن الانتظار داخل الصيدليَّات من (40) دقيقة إلى (15) دقيقة عَبْرَ إدخال أنظمة QR Code، إلى جانب تنفيذ أكثر من (45) ألف استشارة طبيَّة افتراضيَّة خلال عام 2025 مع مستهدف الوصول إلى (70) ألف استشارة، وربط نَحْوِ (65%) من المؤسَّسات الصحيَّة بأنظمة PACS/شفاء مع خطَّة للوصول إلى (90%)، وهو ما يحوِّل الخدمة الصحيَّة إلى تجربة مَرِنة تصل إلى المستفيد في أيِّ وقت ومن أيِّ موقع. ويمنح هذا التحوُّل النِّظام الصحِّي قدرةً على توزيع الموارد بكفاءة أعلى وتقليل الضَّغط على المَرافق الطبيَّة، كما يُعزِّز من سرعة اتِّخاذ القرار الطبِّي ودقَّته، ويؤسِّس لنموذجٍ تشغيلي جديد يَقُوم على التَّكامل بَيْنَ التقنيَّة والخدمة، ويضع المريض في مركز المنظومة الصحيَّة ضِمن تجربة أكثر سلاسةً وكفاءة تعكس نضج التحوُّل الرَّقمي وقدرته على تحقيق أثَرٍ ملموس في جودة الخدمات.
ويأتي الاستثمار في الذَّكاء الاصطناعي والطِّب الدَّقيق لِيُشكِّلَ أُفقًا جديدًا أمام القِطاع الصحِّي في سلطنة عُمان، حيثُ تتجاوز هذه التقنيَّات حدود التَّطوير الطبِّي لِتصبحَ محركًا اقتصاديًّا يُعِيدُ تشكيل كفاءة الإنفاق الصحِّي، ويخفض التَّكاليف طويلة المدى. ويَظهر ذلك في بناء قواعد بيانات جينوميَّة وطنيَّة، وتوظيف أدوات تحليل متقدِّمة تُتيح تشخيص الأمراض في مراحل مبكرة وتقديم خطط علاجيَّة مخصَّصة لكُلِّ مريض. كما تُعزِّز تطبيقات الذَّكاء الاصطناعي في تحليل صوَر الأشعَّة، وتشخيص الأمراض المزمنة، من دقَّة القرارات الطبيَّة وتُسهم في الكشف المبكر، وهو ما يرفع من فعاليَّة العلاج ويقلِّل من الهدر في الموارد، ويمنح القِطاع قدرةً على جذب الاستثمارات المرتبطة بالتكنولوجيا الحيويَّة والبيانات الصحيَّة، ويؤسِّس لِنُشوءِ سُوق طبِّي متقدِّم يَقُوم على المعرفة والابتكار، ويرتبط بشكلٍ مباشر بمسارات الاقتصاد المعرفي.
إنَّ هذه التحوُّلات تَقُود سلطنة عُمان نَحْوَ بناء نموذج صحِّي متكامل يرتبط مباشرة بمستهدفات رؤية «عُمان 2040»، حيثُ تتقاطع جودة الخدمات الصحيَّة مع مؤشِّرات جودة الحياة وتعزيز التنافسيَّة الاقتصاديَّة. ويَظهر هذا التَّوَجُّه في تطوير البنية الأساسيَّة، وتوسيع نطاق الخدمات الرقميَّة وتحسين كفاءة الأداء المؤسَّسي. كما ينعكس على موقع السَّلطنة في المؤشِّرات الدوليَّة، ومنها مؤشِّر ليجاتم للازدهار، ويُعزِّز من جاذبيَّتها للاستثمارات، ويمنح هذا المسار القِطاع الصحِّي دَوْرًا يتجاوز حدوده التقليديَّة لِيصبحَ إحدى أدوات القوَّة النَّاعمة الَّتي تدعم الحضور الإقليمي والدّولي، ويؤسِّس لمرحلةٍ يُمكِن فيها تقديم تجربة صحيَّة متقدِّمة قابلة للتوسُّع والتصدير، بما يعكس قدرة السَّلطنة على تحويل الاستثمار في الإنسان إلى قِيمة استراتيجيَّة تدعم استقرارها، وتُعزِّز مكانتها في المشهد الاقتصادي العالمي.