في ظلِّ تزايد متطلبات الحياة وارتفاع الأسعار، وغلاء المعيشة، وتنامي مستوى الاستهلاك الفردي والأُسري، تتصاعد التحدِّيات الَّتي يواجهها المواطن المتقاعد العائل لأُسرته، خصوصًا في ظلِّ غياب ثقافة الاستهلاك المتوازن، وضعف الوعي المالي، واتِّجاه الأبناء نَحْوَ الاستهلاك غير الرشيد خارج إطار الأولويَّات الفعليَّة، حيثُ أسْهَمتْ منصَّات التواصُل الاجتماعي في تكريس هذا النَّمط من خلال الإعلانات والتسويق، ما عزَّز النزعة الاستهلاكيَّة لدى فئة الشَّباب، ورسَّخ ثقافة اقتناء الكماليَّات دُونَ حاجة حقيقيَّة إليها، بدافع التقليد والمحاكاة، والشهرة والمباهاة دُونَ مراعاة إمكانات الأُسرة وظروف الوالد.
لقد أفرز هذا الواقع تراكمات كبيرة، وضغوطًا معيشيَّة متزايدة على شريحة من المتقاعدين، لا سِيَّما من هم دُونَ سنِّ الستين عامًا، الَّذين لم تشملهم مظلَّة الحماية الاجتماعيَّة، فمن جهة؛ لكونهم لم يبلغوا السنَّ المعتمدة للاستفادة من منافع المنظومة، ومن جهة أخرى، لا تكفي رواتبهم التقاعديَّة لتغطية احتياجاتهم الأساسيَّة، خصوصًا مع اتِّساع مسؤوليَّاتهم الأُسريَّة، ووجود أبناء لبعضهم من فئة الباحثين عن عمل أو المُسرَّحِين من أعمالهم، إلى جانب استمرار بعضهم، حتَّى بعد التقاعد، في دفع الاستقِطاعات البنكيَّة وأقساط القروض، ناهيك عن مصاريف الحياة اليوميَّة وفواتير الكهرباء والمياه والاتِّصالات والوقود وغيرها كثير.
وتتضاعف هذه التحدِّيات في ظلِّ محدوديَّة مصادر الدخل البديلة، وثبات الراتب التقاعدي، وضعف الحوافز المقدَّمة للمتقاعدين في الدرجات الماليَّة دُونَ الدرجة الثالثة، وغياب الامتيازات المرتبطة بالخدمات الأساسيَّة، مثل تخفيض رسوم الكهرباء والمياه، أو الرسوم الحكوميَّة المختلفة، إلى جانب استمرار الالتزامات الماليَّة، بما فيها القروض الَّتي قد تمتدُّ لفتراتٍ طويلة بعد التقاعد، دُونَ وجود حلول جذريَّة لتخفيف أعبائها. الأمر الَّذي يجعل من هذه الفئة تواجه واقعًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا صعبًا، الأمر الَّذي يتطلب مراجعة جادَّة لمنظومة منافع الحماية الاجتماعيَّة، وإيجاد حلول عمليَّة ومستدامة تستجيب لاحتياجات هذه الفئة تقديرًا واستشعارًا لِدَوْرها الوطني وما قدَّمته من عطاء خلال سنوات الخدمة.
هذا الأمر يأتي في ظلِّ عدم وجود ميزات إضافيَّة للمتقاعد في خفض قلق الالتزامات المتعلقة بفواتير الكهرباء والمياه والاتِّصالات، أو الرسوم المترتبة عليها الإسكانيَّة والبلديَّة، والتأمين الصحِّي ـ الَّذي، وللأسف الشَّديد، يتمُّ قطعه بمجرَّد التقاعد من العمل ـ، وكذلك المخالفات المروريَّة أو المتعلقة منها بالأحوال المَدنيَّة وتجديد الجوازات ورخص القيادة والبطاقة الشخصيَّة أو غيرها، ما يلقي على المتقاعد مسؤوليَّة كبيرة في تحقيق التوازن بَيْنَ رغبته الشخصيَّة في تغيير الروتين بعد التقاعد بأن يكُونَ فرصة للسَّفر والتغيير وإعادة إنتاج ثقافة الحياة في ظلِّ المساحة من وقت الفراغ الَّتي يتيحها التقاعد للفرد، وبَيْنَ الوفاء بالالتزامات الأُسريَّة والشخصيَّة والبنكيَّة والقروض الشخصيَّة والإسكانيَّة ورسوم الخدمات.
كما أنَّ غياب المبادرات المؤسَّسيَّة المستديمة، سواء من القِطاعين العام أو الخاص، أسْهَم في محدوديَّة الخيارات المتاحة أمام المتقاعدين لتعزيز دخلهم، وإضافة مصدر آخر لراتبهم التقاعدي أو الاستفادة من خبراتهم، وإن وُجدتْ فلا تتعدى الوقتيَّة دُونَ استدامتها، فمع ما تمَّ اتِّخاذه في فترات سابقة من قِبل البنك المركزي، مشكورًا، بشأن إعادة جدولة القروض عَبْرَ زيادة المدَّة المتاحة للسَّداد حتَّى سنَّ السبعين عامًا، إلَّا أنَّها لم تَعُدْ كافية، ولم تعالج جوهر المُشْكلة، إذ بقيتِ الأعباء قائمةً، وإن تغيَّرتْ مُدَد السَّداد ببقاء الدَّيْن حاضرًا حتَّى بعد التقاعد، بَيْنَما كانت طموحات المتقاعدين تتَّجه نَحْوَ تَبنِّي مبادرات إلغاء القرض لِمَن تجاوز نصف أو ثُلثي مدَّة السَّداد المقرَّرة. وعليه، فإنَّ شريحة واسعة من المتقاعدين الَّذين هم دُونَ سن (60) عامًا تعيش فعليًّا خارج نطاق الحماية، وتواجه ظروفًا اقتصاديَّة صعبة وحالة اجتماعيَّة غير مريحة.
ونظرًا للرَّقم الصَّعب الَّذي باتتْ تُشكِّله نسبة المتقاعدين ممَّن هم دُونَ سنِّ الستِّين عامًا في البنية السكَّانيَّة الوطنيَّة، وأنظمة التقاعد، إذ تمتلك الخبرات والمهارات التراكميَّة القادرة على تعزيز الإنتاجيَّة والمشاركة المُجتمعيَّة إذا ما أُتيح لها الدَّعم الملائم. لذلك فإنَّ وضعها بَيْنَ مطرقة الالتزامات الماليَّة اليوميَّة وسندان الراتب الثابت والدَّخل التقاعدي المحدود، أمر يحتِّم على الجهات المعنيَّة إعادة النظر في سياسات الحوافز والاستفادة من خبراتهم في مشاريع تنمويَّة أو مبادرات اجتماعيَّة. إنَّ تعزيز الاستدامة لهذه الفرص لا يقتصر على الدَّعم المالي، بل يمتدُّ لِيشملَ تسهيلات إداريَّة وتمكين المتقاعد من العمل الجزئي أو الاستشارات، وتقديم حوافز للمشاريع الصغيرة والمتوسطة. ومن خلال هذا النهج، تتحول مرحلة ما بعد التقاعد المبكر من عبء اقتصادي واجتماعي إلى فرصة لتعظيم العطاء الوطني، وضمان مشاركة فعَّالة لهذه الفئة في مَسيرة التنمية المستدامة، بما يعكس احترام الدَّولة لمساهماتهم ويُحقِّق لهم حياةً كريمة ومستقرَّة، تجسيدًا عمليًّا لمستهدفات رؤية «عُمان 2040»، وأولويَّة الرَّفاه والحماية الاجتماعيَّة، بما يُبرِّر الحاجة إلى تعزيز الاهتمام بهذه الفئة، عَبْرَ سياسات أكثر شمولًا وعدالة، تَضْمن لها حياة كريمة، وتمكِّنها من الإسهام في التنمية الوطنيَّة. فالمتقاعد ليس عبئًا، بل طاقة كامنة يُمكِن استثمارها، إذا ما أُحسن توظيفها.
ومن هذا المُنطلَق، تبرز مجموعة من التوَجُّهات الَّتي يُمكِن أن تُسهمَ في تحسين واقع المتقاعدين دُونَ سنِّ الستِّين، والَّتي نأمل من جهات الاختصاص وضعها في أولويَّة الاهتمام، وتَبنِّي إطار عمل وطني لمراجعة استحقاقات هذه الفئة في ظلِّ المعطيات الاقتصاديَّة والمعيشيَّة والاجتماعيَّة، وإخراجها من دائرة الأُسر المعسرة أو محدودة الدخل، ومن أبرزها:
أولًا: إعادة هيكلة منظومة التقاعد، وتصحيح مساراتها، ورفع سلَّم الحوافز فيها، وخلق الفرص والبدائل الَّتي تمنح المتقاعدين إمكان الاستمراريَّة في إطار الدَّوْر والمسؤوليَّة. فالتقاعد ليس نهاية المطاف ولا نهاية حياة الإنسان، بل هو مرحلة جديدة تُعزِّز الإرادة والطُّموح والحسَّ الوطني، وتفتح المجال للاستفادة من مهارات المتقاعد وقدراته وخبراته المتراكمة عَبْرَ سنوات طويلة من العمل والتجربة، سواء من خلال تعزيز الراتب التقاعدي بعلاوة دَوْريَّة سنويَّة تُمنح للمتقاعدين بشكلٍ متساوٍ لِمَن هم دُونَ الدَّرجة الماليَّة (الثالثة) مثلًا، وبما يَضْمن قدرتها على تغطية جزء من النفقات، على ألَّا تقلَّ هذه العلاوة عن (30) ريالًا عُمانيًّا سنويًّا أو كُلَّ سنتَيْنِ لكُلِّ الدَّرجات، بما يُحقِّق أثرًا ملموسًا في حياة المتقاعد، ويضيف بُعدًا استثماريًّا لراتبه التقاعدي يساعده على الوفاء باحتياجاته والالتزامات المترتبة عليه، ويمنحه فرصة للحياة الكريمة والاستقرار وصناعة الأثر.
ثانيًا: تَبنِّي سياسات تحفيزيَّة داعمة للمتقاعدين، سواء عَبْرَ البرامج التمويليَّة الَّتي يقدِّمها البنك المركزي العُماني، وإلزام البنوك التجاريَّة بتطبيقها من حيثُ تخفيض الفائدة على الأقساط الشهريَّة، أو الإعفاء الكُلِّي منها مع الإبقاء على سداد أصلِ القرض، في إطار حزمة وطنيَّة متكاملة تصبُّ في مصلحتهم، خصوصًا لمن هم دُونَ الدَّرجة الماليَّة الثالثة ولم يُكملوا سنَّ الستِّين. بحيثُ تشمل ضريبة القِيمة المضافة، والتأمين الصحِّي وتأمين المَركبات، والرُّسوم الخدميَّة المرتبطة بالإسكان والبلديَّات والشُّرطة والنَّقل والتِّجارة والصِّناعة، مع دعم أصحاب المشاريع الصَّغيرة وروَّاد الأعمال من المتقاعدين، كما يشمل ذلك دعم المتقاعدين من أصحاب المشاريع الصَّغيرة والمتوسِّطة وروَّاد الأعمال عَبْرَ تخفيض رسوم الكهرباء والمياه والوقود والتَّصاريح وغيرها.
ثالثًا: مراجعة بعض القرارات الَّتي أسْهَمتْ في تحييد المتقاعدين عن الاستمرار في تقديم خبراتهم لجهات الاختصاص، سواء في القِطاع الحكومي أو الخاص، بما يستدعي إعادة هيكلة قِطاع التقاعد ضِمن منظومة الحماية الاجتماعيَّة، وإيجاد منافذ ومنافع جديدة تحمي المتقاعدين وترفع سقف الفرص المتاحة لهم، وعَبْرَ دمج المتقاعدين في سوق العمل، من خلال الاستفادة من خبراتهم في الاستشارات، والتدريب، أو العمل الجزئي، بما يُعزِّز قِيمة مساهمتهم وانتماءهم الاجتماعي والإنتاجي، وبالتَّالي فتح منافذ ومنافع جديدة تَضْمن إدماجهم في المُجتمع، وتفعيل مشاركتهم في البرامج التنمويَّة؛ باعتباره استحقاقًا وطنيًّا.
أخيرًا، فإنَّ تحسين واقع المتقاعدين دُونَ سنِّ الستِّين لم يَعُدْ خيارًا، بل ضرورة تفرضها التحدِّيات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة الرَّاهنة، ويتطلب ذلك تكاملًا في الجهود بَيْنَ مختلف الجهات الحكوميَّة والقِطاع الخاصِّ والمُجتمع؛ لإيجاد منظومة متكاملة توفِّر الحماية والدَّعم لهذه الفئة، وتمنحها الفرصة لمواصلة العطاء، الأمر الَّذي يتطلب قرارات حكيمة وأدوات فاعلة واستراتيجيَّات تتفاعل مع طبيعة التحوُّلات والظُّروف الَّتي يعايشها المتقاعد، وجعل المتقاعد جزءًا أصيلًا من الحوار الاجتماعي المشترك بَيْنَ الحكومة والقِطاع الخاصِّ والمُجتمع، لِيظلَّ حاضرًا ليس في الاحتفالات السنويَّة بيوم المتقاعدين فقط، بل في رؤية الوطن واستراتيجيَّة بناء الموارد البشريَّة وفْقَ بيئة داعمة تَضْمن لهذه الفئة حياة كريمة، وتفتح أمامها آفاقًا جديدة للعطاء والاستمرار.
د.رجب بن علي العويسي