ألقَتِ التحدِّيات الجيوسياسيَّة الَّتي تمرُّ بها المنطقة بظلالها على حركة التجارة العالميَّة، وهدَّدتِ البيئة اللوجستيَّة وعطَّلتْ مسارات سلاسل الإمداد لمجموعةٍ واسعة من البضائع والسِّلع الحيويَّة، الَّتي ينتج الخليج جزءًا مهمًّا منها، الأمر الَّذي أدَّى إلى اضطراب الأسواق واشتعال الأسعار، استبقتْ سلطنة عُمان الأحداث، وأسَّستْ بنية لوجستيَّة متطوِّرة، أهَّلتها لِتكُونَ مركزًا إقليميًّا وعالميًّا متميزًا يوفِّر بدائل آمنة لحركة النَّقل والإمداد، مستفيدةً من موقعها الجغرافي الفريد، الَّذي يُتيح لها وجودها على المحيط الهندي وبحر العرب، وسهولة الوصول لخطوط التجارة مع آسيا وإفريقيا، وتوافر الطُّرق والموانئ الحديثة، والبنية الرقميَّة المتطوِّرة.
إشراف سلطنة عُمان على ممرَّات بحريَّة حيويَّة، جعلها رقمًا مهمًّا في انسياب حركة التجارة العالميَّة. كما أنَّها مؤهَّلة لِتكُونَ «مركزًا عالميًّا» لتداولِ البضائع القادمة من كافَّة دول العالم والمتَّجهة لدول المنطقة، وكذلك صادرات دول المنطقة المتَّجهة للخارج عَبْرَ موانئ بحريَّة متطوِّرة ترتبط بأكثر من (86) ميناءً تجاريًّا في (40) دولةً موزَّعة على قارَّات العالم، مزوَّدة بأرصفة عميقة وخدمات لوجستيَّة قادرة على إعادة التصدير وتقديم الخدمات الملاحيَّة، وربط التجارة البحريَّة بالطُّرق البَريَّة والجوِّيَّة والأسواق العالميَّة، بفضل توافر المطارات الحديثة والمناطق الاقتصاديَّة والصناعيَّة المرتبطة بسلاسل التوريد العالميَّة.
تكتمل حلقات التطوير عندما تستفيد سلطنة عُمان من شبكات النقل المتكاملة الَّتي تربط الموانئ والمطارات بالمناطق الصناعيَّة والانتهاء من مشاريع السكك الحديديَّة، لتقليلِ تكاليف النَّقل واستيعاب أحجام أكبر من البضائع وسرعة انسيابها، بجانب الاستثمار في التكنولوجيا اللوجستيَّة، وتقنيَّات الذَّكاء الاصطناعي، وتعزيز الصِّناعات التحويليَّة والغذائيَّة لتلبيةِ احتياجات دول المنطقة والتصدير للأسواق الخارجيَّة، وخدمة سلاسل الإمداد الإقليميَّة.
ويتمتع القِطاع اللوجستي في سلطنة عُمان بحضور قوي، حيثُ أسْهَمَ بـنَحْوِ (6%) من الناتج المحلِّي الإجمالي في العام 2024، وتجاوزت استثماراته (2.3) مليار ريال عُماني، وتتطلع الاستراتيجيَّة اللوجستيَّة العُمانيَّة، إلى إسهام القِطاع بـ(36) مليار عُماني بحلول عام 2040، لِيصبحَ أبرز مصادر الدَّخل الوطني بعد النفط والغاز. وهناك فرص واعدة أمام القِطاع الخاصِّ لتشغيلِ وإدارة وتطوير الموانئ والمطارات والمناطق الحُرَّة والاقتصاديَّة الخاصَّة، فضلًا عن خطط لتطوير رأس المال البَشري لِيكُونَ هناك كوادر وطنيَّة قادرة على إدارة العمل في المنظومة اللوجستيَّة المتقدمة، في ظلِّ التحوُّل الرَّقمي وتعزيز أمن البيانات في الأنظمة اللوجستيَّة الحديثة، وتلبية الطَّلب على الخدمات اللوجستيَّة الذكيَّة.
كما تستفيد سلطنة عُمان من تمتُّعها بعلاقات خارجيَّة متوازنة مع سائر دول العالم؛ بفضل سياسة الحياد الإيجابي الَّتي انتهجتها على مدار السنوات الماضية، حتَّى أصبح لها مدرسة دبلوماسيَّة متفردة، أرسى قواعدها المغفور له بإذن الله تعالى جلالة السُّلطان قابوس ـ طيَّب الله ثراه ـ وأكمل رعايتها جلالة السُّلطان هيثم بن طارق ـ حفظه الله ورعاه ـ دبلوماسيَّة ناضجة، مؤهَّلة بالعِلم والمعرفة، ومتسلِّحة بالوعي بالقضايا الإقليميَّة والدوليَّة، تقرأ جيِّدًا الجغرافيا السياسيَّة، وتمتلك الأدوات الَّتي تؤهِّلها لاتِّخاذ القرارات الصائبة، دبلوماسيَّة نبيلة، تنحاز للحقِّ والعدل، وتكافح الظلم وتقف في وجْهِ الدخلاء والأدعياء، دبلوماسيَّة تَبْني الجسور مع جميع الأطراف؛ بفضل الثقة والمصداقيَّة الَّتي تتمتع بها سلطنة عُمان، الأمر الَّذي جعلها واحةً للأمن والأمان، ووسيطًا نزيهًا يسعى الفرقاء للاستعانة بخبرته في حلِّ الأزمات، وتقريب وجهات النظر، لتحقيقِ الاستقرار والسَّلام للجميع دُونَ تغوُّل أو انحياز.