الأحد 05 أبريل 2026 م - 17 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

تحولات تجاوزت حدود الخيال الإنساني «2ـ2»

تحولات تجاوزت حدود الخيال الإنساني «2ـ2»
السبت - 04 أبريل 2026 04:37 ص

سعود بن علي الحارثي

20

خلال الخمسين سنةً الماضية شهدتْ حياتنا تحوُّلاتٍ متسارعةً ومتتابعة تفوق المتخيل، كُلُّ واحدة أشْبَه ما تكُونُ بثورة تعصف في طريقها بكُلِّ ما هو قديم وتقليدي، مُحدِثةً تغييراتٍ واسعةً وعميقة في حياة الإنسان ونمط تفكيره، وأُسلوب معيشته، ومحتوى القِيَم والأعراف وتقاليد المُجتمع يصعب أحيانًا هضمها واستيعابها، والتعامل مع أدواتها ووسائلها ومنعطفاتها ومفاهيمها واستخداماتها.. وصل التلفزيون إلى غُرف نومنا بعد الراديو، وشُقَّتِ الطُّرق واتَّسعتْ، ونَمَتِ السيَّارات وتعدَّدتْ طرازاتها (ماركاتها)، ودخلتِ الكهرباء وشبكات المياه والهاتف الأرضي إلى منازلنا تدريجيًّا، خُطِّطتْ مناطق سكنيَّة حديثة خارج القُرى والحارات القديمة، وأُقيمت عليها البيوت والعمارات والشّقق والمحالُّ التجاريَّة الحديثة والمصارف، شُيِّدت المدارس والمستشفيات والجامعات والمطارات والموانئ، تقدَّم الطِّب في التشخيص والعلاج وفي العمليَّات الجراحيَّة وفي الأجهزة والوسائل، وتوسَّعت وازدهرتِ البنى الأساسيَّة والمناطق السكنيَّة والتجاريَّة والصناعيَّة، وأصبح السَّفر والتطواف بَيْنَ بُلدان العالم من أجْلِ التعلُّم والعمل والتجارة والترفيه والاستجمام والاكتشاف والعلاج... وتشرُّب ثقافة وتاريخ وعادات شعوبها واستيعاب حجم التطوُّر الَّذي بلغَتْه، والتحاور مع الآخرين في أيِّ بقعة من هذه الأرض ممكنًا ومتاحًا وسهلًا للجميع، غزا الإنسان الفضاء واطَّلع على عجائب الكون، وطوَّر مشاريع مستقبليَّة للمزيد من الاكتشاف وفكّ الأسرار، وفي مرحلة تالية غزَتْنا المُجمَّعات التجاريَّة الضَّخمة والعلامات التجاريَّة العابرة للقارَّات والأسواق العصريَّة الَّتي تَعرض كُلَّ ما يحتاجه الإنسان، وأحدثتِ التكنولوجيا بأجهزتها وتقنيَّاتها وبرامجها ووسائلها وشبكاتها... ثورةً، بل ثورات هائلة حوَّلتْ عالمنا إلى عالم افتراضي إلكتروني، مكَّنتِ الإنسان من تنفيذ وطلب ما يريد ويشتهي، وهو جالس في كرسيِّه الوثير وأمام شاشته الصغيرة يستطيع أن يقتنيَ ويتسوّق، ويطلب وجبته المفضَّلة، ويحجز تذكرته وفندقه، ويوقِّع الاتفاقيَّات وينجز المعاملات، ويعقد الصفقات والشراكات، ويتعلم ويعمل ويلتقي بملايين البَشر ويحاورهم ويطرح عليهم أفكاره ورؤيته، وأن يحصلَ على المعلومات الَّتي يحتاجها، ويصلَ إلى الأخبار الَّتي يرغب فيها... وما زلنا نسمع ونقرأ عن الاستنساخ وثورات «الذَّكاء الاصطناعي» وعجائب إنجازاته وعن السيَّارة الَّتي تَقُود نَفْسها بنفسها والمِهن والأعمال الَّتي سوف يُستغنى عنها قريبًا وتحلُّ محلَّها «الربورتات» والأعضاء البشريَّة الصناعيَّة الَّتي سوف تستبدل بالتالفة في جسد الإنسان... وفي كُلِّ يوم تُعلن وسائل الإعلام عن تجربة وبراءة اختراعات وتقدُّم في المعرفة الإنسانيَّة وثورة علميَّة واكتشاف جديد، كُلُّ هذه التحوُّلات والثَّورات والطَّفرات حدَثَتْ في عمر جيل واحد فقط، وهو شيء لم يحدُثْ من قَبل في التاريخ؟ أمَّا نحن العرب فما زلنا نعيش الماضي بعقولنا وثقافتنا ورؤيتنا ومنتجنا الخِطابي، نطنب في الحديث عن أمجادنا الفانية وحضارتنا الآفلة وإنجازاتنا الغاربة، ونصيبنا من الثورات العلميَّة استقبالها واحتضان منتجاتها، واستهلاك ما ينتجه الغرب والمُجتمعات المتقدِّمة للترفيه عن أنْفُسنا ومعالجة مُشْكلاتنا والتخفيف من معاناتنا، والدخول إلى عصر التقدُّم والتقنيَّة من باب التبعيَّة للغير، وانتظار ما يصنعون ويبتكرون ويكتشفون لِنستخدمَه ونبتهجَ به ونُوهِمَ أنْفُسنا بأنَّنا نتقدَّم ونتطوَّر، ونشارك العالم الرَّكب الحضاري، فيما الحقيقة أنَّ تقدُّمنا هو شكلي وقابل للانهيار في أيِّ لحظة، ما دُمْنا لا نأكل ولا نلبس ولا نستخدم الآلة والوسيلة والدواء الَّتي تنتجها مصانعنا ومختبراتنا وعقول أبنائنا، وكانت جائحة «كوفيد 19» نموذجًا على ضعفنا وهشاشة التقدُّم الَّذي نتغنَّى به، فقَدْ عشنا سنتين ونحن ننتظر ونتلقَّى أبحاث ونتائج تجارب العالم المتقدِّم عن خصائص كورونا وطبيعته وأساليب التعامل معه، وما يكتشفه وينتجه لنا من تطعيمات فاعلة لهذا الفيروس القاتل، وعندما تحقَّق ذلك ظلَلْنا ننتظر الغرب وشركاته للوصول إلى الوفرة الَّتي سيمنون بها عليها بقِيمتها الماليَّة الَّتي سندفعها من أموالنا بالطبع، فيما استنزاف الأرواح والاقتصاد في أشدِّه. واستثمرنا تقنيَّات الاتصال ووسائل التواصُل وبرامجها والهواتف النقَّالة وأجهزة الحاسوب (الكمبيوتر) للإضرار بأنْفُسنا في بثِّ الإشاعات والفِتن والتنمُّر، ونَبْش صراعات الماضي وكُلِّ ما يُثير ويعمِّق العصبيَّات، ونبذ الآخر وتقزيمه وإقصائه وإحداث الفرقة، وإشاعة الرسائل المغلوطة والتلبيس على الناس وتضليلهم وتصيُّد ضعف وجهل البعض لابتزازهم وسرقة أموالهم، ونَشْرِ أسرارنا وتفاصيل حياتنا الخاصَّة، والحطِّ من إمكاناتنا وقدراتنا، وتهميش إنجازاتنا والتندُّر على بعضنا باستخدام كُلِّ عبارات الشَّتم والسَّب والقدح والإلغاء، وتمضية السَّاعات في استخدام النقَّال في الدردشة والتسلِّي والتَّرفيه واللَّعب، والانشغال بتوافه الأمور على حساب العمل والعِلم والجد وخدمة المُجتمع والابتكار والمساهمة في التقدُّم. وبالمجمل المفيد، أضعنا هُوِيَّتنا وقِيَمنا وتقاليدنا في بُعدها الأخلاقي الإنساني، الَّتي كنَّا نفخر ونعتزُّ ونعرف الأُمم بها. نعم استفدنا من هذه التحوُّلات والثَّورات العلميَّة وأشكال التقدُّم في القِطاعَيْنِ الصحِّي والترفيهي والإحاطة بما يحدُث في العالم، ونقلتْ مُدننا إلى مُدن عصريَّة تتمتع بكُلِّ مُقوِّمات الحداثة، ولكنَّها لم تتمكنْ ولم تنجحْ بعد ـ وهو المُهمُّ الَّذي عليه تُبنى النجاحات الحقيقيَّة ـ في خلق المحفِّزات والأدوات الناهضة بالإرادة والمحقِّقة للطُّموحات والمفعِّلة للتفكير الإيجابي وتوجيهه للانشغال بما يحدُث والتفاعل معه بحثًا وإبداعًا وتجارب وابتكارًا، وإحاطةً وتصنيعًا ومنتجًا منافسًا، ومشاركةً قويَّة في الرَّكب الحضاري، كمساهمين فاعلين منتِجِين لا مستهلِكِين متقوقعين منفصلين عن الواقع... فماذا يخبئه لنا المستقبل على ضوء هذه التحوُّلات العميقة، والثَّورات العلميَّة المتسارعة، والحروب المدمِّرة الَّتي تشهدها منطقتنا تُدار بالتقنيَّات والروبوتات والذَّكاء الاصطناعي ويفرضها الأقوياء علينا فرضًا، ونحن في سُباتٍ نتغنَّى ونتفاخر بانتصارات ماضويَّة، وأخرى زائفة مخدِّرة للعقول والأجساد، نفطر ونتغذَّى وننام ونصبح على الأوهام والخرافات والأحاديث العاطفيَّة، وتحليلات المهوسين بالأحلام والخيال والمظاهر والشَّغف بالشهرة ونُمو المتابعين لحساباتهم...؟ وأين سيكُونُ موقعنا من الإعراب في هذا العالم الَّذي يتنافس على الهيمنة عليه الكبار، في ظلِّ الواقع الَّذي نحياه؟ ممَّا لا شكَّ فيه بأنَّنا أمام تحدِّيات ومخاطر جسيمة ومستقبل غير مأمون، إذا لم نتداركْ أنْفُسنا وننهض من سُباتنا، ونُصلح مؤسَّساتنا التعليميَّة، ونطوِّر مراكزنا البحثيَّة والأكاديميَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة، ونُنفق بسخاء على المواهب وبراءات الاختراع، ونُقدِّم كُلَّ ممكن من دعم وتحفيز وتشجيع للعلماء والعباقرة، ونستقطب من أنحاء العالم كُلَّ مَن يمتلك الفرص والأفكار والمهارات لتحقيق نهضة مستقبليَّة تنقلنا من واقعنا المتخلف.

سعود بن علي الحارثي

[email protected]