يشهد العالم اليوم تسارعًا واسعًا في المعطيات الكونيَّة والمتغيِّرات السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، الأمر الَّذي انعكس بصورة مباشرة على بنية الأجيال وقناعاتهم وأنماط تفكيرهم وسلوكهم. وفي ظلِّ هذه التحوُّلات المتسارعة، أصبح الاهتمام بالبُعد النفْسي ضرورة ملحَّة، وأولويَّة يَجِبُ أن تستدركَها مؤسَّسات التعليم والتنشئة الاجتماعيَّة والأسريَّة، خصوصًا في المراحل العمريَّة المبكرة الَّتي تتشكل فيها شخصيَّة الفرد، وتُبنى فيها قدراته على التكيُّف مع محيطه ومواجهة تحدِّيات الحياة.
وتُمثِّل البيئة التعليميَّة بِدَوْرها أحد أهم الفضاءات الَّتي تتكوَّن فيها شخصيَّة المتعلم، إذ لا يقتصر دَوْرها على نقل المعرفة أو بناء المهارات الأكاديميَّة فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى بناء الإنسان المتوازن نفسيًّا وفكريًّا واجتماعيًّا وعاطفيًّا. غير أنَّ المتأمل في واقع التعليم اليوم يلاحظ أنَّ البُعد النفْسي في تشكيل شخصيَّة المتعلم مغيَّب إلى حدٍّ ما، ولا يزال حضوره خجولًا ومحدودًا مقارنةً بما ينبغي أن يكُونَ عليه، رغم تزايد المؤشِّرات الَّتي تدلُّ على اتِّساع دائرة التحدِّيات النفسيَّة لدى الطلبة في مختلف مراحل التعليم؛ فالإحصاءات الوطنيَّة في السنوات الأخيرة تُشير إلى ارتفاع ملحوظ في معدَّلات مراجعة العيادات النفسيَّة، بما في ذلك بَيْنَ الطلبة في سنِّ التعليم المدرسي والجامعي، وهذا الأمر يضع المؤسَّسات التعليميَّة أمام مسؤوليَّة البحث عن أدوار أكثر عمقًا واستدامة في دعم الصحَّة النفسيَّة للأجيال، انطلاقًا من أنَّ بيئة التعليم نفْسها، هي البيئة الأقرب إلى الطالب والأكثر تأثيرًا في تشكيل وعيِه وسلوكه.
إنَّ تعزيز البُعد النفْسي في البيئة التعليميَّة لا يعني الاقتصار على معالجة المُشْكلات النفسيَّة بعد وقوعها، بل يتطلب تَبنِّي رؤية وقائيَّة وتنمويَّة تُسهم في بناء الحصانة النفسيَّة لدى الطلبة منذ المراحل الأولى من حياتهم، ذلك أنَّ الصحَّة النفسيَّة، إلى جانب الصحَّة الجسديَّة، تُشكِّلان معًا ثنائيَّة أساسيَّة في تكوين الإنسان المتوازن القادر على التفاعل الإيجابي مع محيطه واتِّخاذ قراراته بوعي ومسؤوليَّة، وكما قيل: «العقل السَّلم في الجسم السَّليم»..
وفي هذا الشَّأن، تبرز الحاجة إلى تفعيل دَوْر المؤسَّسات التعليميَّة بمختلف مستوياتها وأنماطها والفئات الَّتي تستهدفها، في نشرِ ثقافة الصحَّة النفسيَّة بَيْنَ الطلبة، من خلال برامج توعويَّة وتثقيفيَّة، وإقامة دَوْرات تدريبيَّة تستهدف الطلبة والمُعلِّمين وأولياء الأمور على حدٍّ سواء، كما أنَّ وجود العيادات النفسيَّة المدرسيَّة والمتخصِّصين في الإرشاد النفْسي والتربوي يُسهم في متابعة الحالات النفسيَّة لدى الطلبة، وتشخيصها بشكلٍ مبكر، وتقديم الدَّعم اللازم لهذه الحالات قَبل تفاقمها.
ولا شكَّ فإنَّ تعزيز هذا البُعد يُسهم في تنشيط حركة التعلُّم لدى الطالب، ويزيد من قدرته على التكيُّف مع المتغيِّرات والضغوط المختلفة الَّتي قد يتعرض لها؛ فالطالب الَّذي يمتلك توازنًا نفسيًّا يكُونُ أكثر قدرة على مواجهة التحدِّيات والتعامل مع الصَّدمات اليوميَّة بدلًا من الانسحاب منها، وأكثر استعدادًا للتعبير عن مشاعره ومُشْكلاته بطريقة صحيَّة وبمزيدٍ من الثقة والوعي، بدلًا من كبتِها أو تحويلها إلى سلوكيَّات سلبيَّة؛ فإنَّ الكثير من التحدِّيات النفسيَّة والفكريَّة الَّتي يواجهها الطلبة اليوم، وانتشار بعض الظواهر المرتبطة بالتحوُّلات الرقميَّة والاجتماعيَّة، مثل الابتزاز الإلكتروني، والتحرش، والاحتيال عَبْرَ الشبكات الرقميَّة، والتنمُّر، وغيرها من الممارسات الَّتي قد يجد الطالب نفْسه أمامها دُونَ امتلاكه الأدوات النفسيَّة الكافية للتعامل معها، إنَّما هي نتاج غياب الحصانة النفسيَّة الدَّاعمة للطلبة في مواجهتها. ومن هنا تأتي أهميَّة تنمية الجرأة الإيجابيَّة لدى الطالب في التعبير عن مُشْكلاته واللُّجوء إلى المختصِّين، والإفصاح عن المُشْكلة باعتبارها خطوة أساسيَّة في طريق حلِّها.
إنَّ إعادة رسم ملامح الصحَّة النفسيَّة في حياة الطالب ينبغي أن تبدأَ منذ الطفولة المبكرة، بحيثُ ينشأ الطفل مدركًا لمشاعره وقادرًا على إدارتها، ومؤمنًا بأهميَّة التوازن النفْسي في حياته، إذ إنَّ كثيرًا من مظاهر التوتُّر والصراخ والخلافات الحاصلة بَيْنَ الأطفال ووالديهم في الوقت الحاضر قد تَعُود في جانب منها إلى ضعف الوعي بمفهوم الصحَّة النفسيَّة وأهميَّتها في الحياة اليومي، بل وغياب القدرة على التعامل مع حالات الغضب والاندفاع واحتواء المواقف، وتغييب الطالب عن المنهج الصحيح في التعامل مع هذه المشتتات النفسيَّة.
وإنَّ من بَيْنِ التحدِّيات الَّتي تواجهها مسألة التعامل مع الصحَّة النفسيَّة في بيئات التعليم والتعلم، هو الصورة النمطيَّة السَّائدة في المُجتمع حَوْلَ مفهوم الصحَّة النفسيَّة، والَّتي ما زال ينظر إليها باعتبارها مرتبطة بالمرض النفْسي فقط، بل هي منظومة من السلوكيَّات والعادات الصحيَّة الَّتي يمارسها الفرد للحفاظ على توازنه النفْسي والوقاية من الصَّدمات والتحدِّيات المستقبليَّة. فالصحَّة النفسيَّة في جوهرها أُسلوب حياة يهدف إلى تحقيق التوازن بَيْنَ متطلبات الفرد وواقعه، وبَيْنَ طموحاته وإمكاناته، ولذلك فإنَّ تصحيح هذه الصورة المُجتمعيَّة سوف يُسهم في تقليص الفجوة النفسيَّة الَّتي قد يشعر بها الطالب عند طلب المساعدة النفسيَّة، ويزيل الكثير من الهواجس المرتبطة بزيارة العيادات النفسيَّة أو الاستفادة من خدمات الإرشاد النفْسي في المدارس والجامعات. والَّتي يَجِبُ أن يقرأَ فيها ارتفاع مساحة الوعي الجمعي والمُجتمعي بمفهوم الصحَّة النفسيَّة والأبعاد النفْسيَّة الصَّامتة في حياة الأجيال، فإنَّ تعزيز الوعي المُجتمعي بهذا الجانب يفتح المجال أمام المؤسَّسات التعليميَّة لتطوير برامج أكثر فاعليَّة في مجال التثقيف النفْسي وبناء مهارات إدارة الذَّات لدى الطلبة.
ومن المتوقع أن يُسهم هذا التحوُّل في تعزيز البيئة التعليميَّة نفْسها، من خلال قراءة أعمق للتفاعلات النفسيَّة داخل المدرسة، والعمل على إزالة القناعات السلبيَّة والأفكار غير الواقعيَّة الَّتي قد تتشكل لدى الطالب، مثل الخوف المفرط، أو الشعور بعدم الإنجاز، أو فقدان الثقة بالنفْس. فهذه المشاعر السلبيَّة، إذا لم يتمَّ التعامل معها بوعي، قد تتحول إلى عوائق حقيقيَّة أمام التعلُّم والإنجاز. ومن هنا تبرز أهميَّة إدراج برامج تعليميَّة وتربويَّة تهدف إلى تنمية مهارات إدارة المشاعر وضبط الانفعالات، وتعزيز التفكير الإيجابي، وبناء الثقة بالنفْس، وتعليم الطلبة أساسيَّات الذَّكاء الوجداني والعاطفي، وأساليب التعامل مع الضغوط النفسيَّة المختلفة، في ظلِّ ما يُمكِن أن تضمَّه هذه البرامج من تدريبات عمليَّة على مهارات الحوار والتواصُل والتفكير النَّقدي، بما يُسهم في بناء شخصيَّة متوازنة قادرة على التفاعل الإيجابي مع الواقع.
وتُشير الإحصاءات الوطنيَّة لعام 2024 إلى أنَّ إجمالي الزيارات لعيادات الأمراض النفسيَّة في مؤسَّسات وزارة الصحَّة بلغ نَحْوَ (106,890) زيارة، مقارنةً بـ(76,265) زيارة في عام 2020، وهو ارتفاع ملحوظ يعكس تزايد الاهتمام بالصحَّة النفسيَّة من جهة، كما يُشير في الوقت نفْسه إلى اتِّساع حجم التحدِّيات النفسيَّة في المُجتمع، كما تُشير الإحصائيَّات إلى أنَّ (52.2%) من الحالات الجديدة للأمراض النفسيَّة كانت في الفئة العمريَّة بَيْنَ (19) و(59) سنَة، وهي الفئة الَّتي تضمُّ طلبة الجامعات ومؤسَّسات التعليم العالي، في حين بلغت نسبة الحالات الجديدة بَيْنَ الفئة العمريَّة من (0) إلى (18) سنَة نَحْوَ (32%)، وهي فئة طلبة المدارس.
وأظهرتْ دراسة وردَتْ في تقرير وزارة الصحَّة لعام 2024 حَوْلَ أعراض الاكتئاب بَيْنَ المراهقين في الصفوف من العاشر إلى الثاني عشر للطلاب العُمانيين، نفّذت في عام 2004/2005 أنَّ نسبة من الطلبة يعانون من مؤشِّرات مختلفة للاكتئاب والقلق وتقلُّب المزاج واضطرابات التحكم في الاندفاع النفْسي. على أنَّ نتائج هذه الدراسة تتقاطع مع الدراسة الَّتي نفَّذتها جامعة السُّلطان قابوس في عام 2023 حَوْلَ الموضوع ذاته، رغم الفارق الزمني بَيْنَ الدراستين، حيثُ أفادتْ بأنَّ أكثر من ثلث الطلبة خلال فترة الدراسة بَيْنَ سبتمبر ونوفمبر 2023 عانوا من أعراض مرتبطة بالاكتئاب، وكانت هذه الأعراض أكثر شيوعًا بَيْنَ الطالبات. ما يؤكِّد على ضرورة تطوير أدوات وطنيَّة لقياس السلوك النفْسي لدى الطلبة وتشخيصه بصورة علميَّة دقيقة، سواء كان في بيئة التعليم المدرسي أو الجامعي.
أخيرًا، تبقى هذه المعطيات منطلقًا لإعادة تصحيح بعض الممارسات التربويَّة داخل البيئة الصفيَّة والقاعات الدراسيَّة الَّتي قد تؤدي، دُونَ قصد، إلى تعزيز مشاعر الخوف أو الانسحاب لدى الطالب، بما يؤسِّس لبناء بيئة تعليميَّة آمِنة نفسيًّا، يشعر فيها الطالب بالاحترام والتقدير، ويتمُّ تشجيعه فيها على الحوار والإيجابيَّة والمشاركة، بما يُعزِّز ثقته بنفْسه ويجعله أكثر استعدادًا لتحمُّل المسؤوليَّة ومواجهة التحدِّيات بثقة واقتدار، وهنا يصبح البُعد النفْسي مدخلًا أساسيًّا لبناء إنسان قادر على الإبداع والتجديد وصناعة المستقبل والعيش في عالم متغيِّر. فالمتعلم الَّذي يتمتع بتوازن نفْسي ووعي بذاته يكُونُ أكثر قدرة على تحقيق النجاح الأكاديمي والمهني، وأكثر استعدادًا للمساهمة في بناء مُجتمعه.
د.رجب بن علي العويسي