نعيش في هذه الفترة في مواجهة توتُّرٍ جيوسياسي متصاعد حَوْلَ مضيق هرمز ـ الَّذي يمرُّ عَبْرَه نَحْوُ خُمس تجارة الطاقة العالميَّة ـ، وما خلَّفته هذه الأزمة من اضطرابات في سلاسل الإمداد العالميَّة وصدمات في أسواق الطاقة. وفي هذا السياق، تبرز سلطنة عُمان كمنظومة متكاملة من الاستقرار السياسي والموثوقيَّة الدبلوماسيَّة، وهي عناصر يُمكِن تحويلها إلى ما يُمكِن تسميته بـ»اقتصاد الثقة السياسيَّة». جميع المؤشِّرات تؤكِّد أنَّ السَّلطنة جيوسياسيًّا أصبحتْ تُمثِّل «البديل الآمن» في سلاسل الإمداد فقَدْ قامت شركات صناعيَّة كبرى بإعادة توجيه صادراتها ووارداتها عَبْرَ ميناء صحار، في ظلِّ تعطُّل الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يعكس تحوُّلًا فعليًّا في مسارات التجارة الإقليميَّة. كما أظهرتْ تقارير دوليَّة أنَّ مستوردي الغذاء والدَّواء في الخليج بدأوا بالفعل استخدام موانئ عُمانيَّة لتفادي اختناقات هرمز. وفي السِّياق ذاته، يتمُّ الترويج لموانئ صلالة وصحار والدُّقم كمراكز إعادة شحن إقليميَّة قادرة على استيعاب التدفُّقات المحوَّلة. إنَّ هذه المعلومات تُثبتُ أنَّ الشركات قد بدأتْ فعليًّا في إعادة رسم خرائطها اللوجستيَّة، ولِكَيْ نكُونَ أكثر وضوحًا؛ فالمعنى العملي لتحقيق الاستفادة هنا يتمحور في تنفيذ النقاط الآتية:
1) زيادة خدمات إعادة الشحن والتخزين والمناولة.
2) جذب شركات تبحث عن مخازن احتياطيَّة إقليميَّة خارج نقاط الاختناق.
3) تسويق الدُّقم وصلالة وصحار كمواقع Business Continuity Hubs للشركات الخليجيَّة والآسيويَّة.
من جانب آخر، تمتلك سلطنة عُمان ما يُمكِن وصفه بـ»رأس المال الدبلوماسي»، وهو أصل غير مادِّي تراكَم عَبْرَ عقود من الحياد الموثوق والقدرة على فتح قنوات اتِّصال بَيْنَ الأطراف المتنازعة، وهذا الرَّصيد يُمثِّل قاعدةً يُمكِن تحويلها إلى رأسمال اقتصادي قابل للتوظيف ضِمن ما يُمكِن تسميته بـ»اقتصاد الوساطة»، فحين تصبح مسقط نقطة الالتقاء الآمنة في أوقات التصعيد، فإنَّها تجذب المفاوضين وتسحب معهم منظومة كاملة محيطة بالصراع مثل شركات التأمين، بيوت الخبرة القانونيَّة، مؤسَّسات إدارة المخاطر، ومراكز الدراسات الاستراتيجيَّة. وهنا تحديدًا تتحول الوساطة من دَوْر سياسي إلى سوق خدمات متكامل عالي القِيمة.
وفي ضوء ذلك، يُمكِن لصنَّاع القرار الانتقال من (استضافة الوساطة) إلى (بناء صناعة حَوْلَ الوساطة)، وذلك عَبْرَ التوَجُّهات الآتيَّة:
1) تحويل مسقط إلى منصَّة دائمة لمؤتمرات أمن الطاقة والتأمين البحري.
2) تأسيس مركز إقليمي للتحكيم وتسوية المنازعات المرتبطة بالطاقة والتجارة البحريَّة في مسقط، وهو ما سيجذب كُبريات الشَّركات القانونيَّة العالميَّة، كما أنَّه سيُثبت مسقط كمركز قانوني إقليمي.
3) تطوير قِطاع الخدمات التخصُّصيَّة في مجال الامتثال للعقوبات وإدارة المخاطرة الجيوسياسيَّة بما يخدم الشركات العاملة بَيْنَ الأسواق عالية الحساسيَّة، وهو ما سيُتيح لهم تحليلًا متخصِّصًا في السيناريوهات الجيوسياسيَّة، وهذا القِطاع حاليًّا من أهمِّ القِطاعات الَّتي يُعتمد عليها في هذه الظروف. في السِّياق ذاته، أدَّى تصاعد التوتُّر العسكري في المنطقة إلى رفع مستوى المخاطر على سلاسل الإمداد، الأمر الَّذي انعكس فورًا على الأسعار، وهو ما شهدناه في القفزات الحادَّة في أسعار النفط. بالنسبة لسلطنة عُمان، يوفِّر هذا الوضع متنفسًا ماليًّا قصير الأجل عَبْرَ ارتفاع الإيرادات النفطيَّة والغازيَّة، إلَّا أنَّ القِيمة الحقيقيَّة تكمن في كيفيَّة تحويله من «مكاسب ظرفيَّة» إلى أُصول دائمة، وذلك عَبْرَ توجيه الفوائض نَحْوَ خفض الدَّيْن العام وتعزيز الاستدامة الماليَّة، وإنشاء آليَّات مَرِنة لامتصاص صدمات الغذاء والنقل والتأمين، إلى جانب تسريع الاستثمارات الصناعيَّة والتصديريَّة الَّتي ترفع من القدرة الإنتاجيَّة للاقتصاد. بهذا المعنى، تتحول الطفرة السعريَّة من مجرَّد إيراد إضافي إلى رافعة لإعادة هيكلة الاقتصاد.
استمرارًا لمسارات الفرص الَّتي تفتحها الأزمات، كشفت التطوُّرات الأخيرة عن هشاشة هيكل الأمن الغذائي في الخليج، حيثُ تعتمد نسبة معتبرة من الإمدادات على المرور عَبْرَ مضيق هرمز. وهنا تحديدًا تتشكل فرصة استراتيجيَّة لعُمان، وهذه الفرصة تتجاوز فكرة الممر البديل إلى ما يُمكِن اعتباره «إعادة تشكيل جغرافيا الأمن الغذائي الإقليمي» من خلال تحويل سلطنة عُمان إلى نموذج أكثر تقدُّمًا يَقُوم على «الأمن الغذائي اللوجستي» أي القدرة على التخزين، وإعادة التوزيع، وإدارة التدفُّقات الغذائيَّة إقليميًّا.
وفي الامتداد الطبيعي لهذا التحوُّل، تبرز الموانئ العُمانيَّة ـ وخصوصًا الدُّقم ـ كأحَد أهمِّ عناصر المرونة في سلاسل التجارة..
المنتصر بن زهران الرقيشي
كاتب عُماني ـ الاتصالات الدوليَّة والعلوم السياســـــيَّة
مدرب متعاون في تنميَّة مهارات المدربَيْنَ (TOT)
@mumtaserzr