تفرض التحوُّلات الاقتصاديَّة العالميَّة واقعًا جديدًا يجعل من الأمن الغذائي أحد محدِّدات القوَّة والاستقرار، وهو ما يضع قِطاع الثروة الزراعيَّة والسمكيَّة وموارد المياه في قلبِ معادلة الاقتصاد العُماني، حيثُ يعكس الطرح الَّذي قدَّمته الوزارة توجُّهًا واضحًا نَحْوَ إعادة صياغة هذا القِطاع كمنظومة إنتاجيَّة متكاملة تستهدف تعظيم القِيمة المضافة وربط الموارد الطبيعيَّة بحركة الاستثمار والسُّوق. ويكشف هذا التوَجُّه عن إدراك عملي بأنَّ المرحلة الحاليَّة تتطلب تحويل هذه الموارد إلى أدوات إنتاج قادرة على دعم الناتج المحلِّي وتعزيز فرص النُّمو، وهو ما يظهر في التركيز على تطوير سلاسل القِيمة الممتدَّة من الإنتاج إلى التصنيع والتسويق، وفتح المجال أمام استثمارات نوعيَّة قادرة على رفع كفاءة استغلال الأراضي الزراعيَّة والثروات البحريَّة والموارد المائيَّة، بما يُعزِّز من قدرة القِطاع على خلق عوائد اقتصاديَّة مستدامة، ويضعه ضِمن القِطاعات القادرة على دعم مسار التنويع الاقتصادي، ويعكس في الوقت ذاته انتقالًا تدريجيًّا نَحْوَ نموذج اقتصادي يتعامل مع الموارد بوصفها أصولًا إنتاجيَّة يتمُّ تعظيم مردودها وفْقَ اعتبارات الكفاءة والاستدامة.
وتعكس الأرقام الَّتي طرحتها الوزارة حجم القاعدة الَّتي ينطلق منها هذا التحوُّل، حيثُ تمتلك سلطنة عُمان نَحْوَ (5.5) مليون فدَّان من الأراضي الزراعيَّة أو القابلة للاستصلاح، مع مساحة مزروعة تصل إلى (312) ألف فدَّان، إلى جانب مخزون سمكي متنوِّع تدعمه بنية أساسيَّة تضمُّ (24) ميناءً و(62) سوقًا سمكيًّا و(119) مصنعًا، إضافةً إلى منظومة مائيَّة تشمل (92) محطَّة تحليَّة بإنتاج يتجاوز (455) مليون متر مكعَّب و(67) محطَّة لمعالجة المياه، وهي مؤشِّرات تكشف عن وفرةٍ في الموارد وتنوُّع في المُقوِّمات الإنتاجيَّة، وتطرح في الوقت ذاته تحدِّيًا يرتبط بقدرة هذه الإمكانات على التحوُّل إلى قِيمة اقتصاديَّة مضافة، حيثُ يتوقف الأثَر الحقيقي لهذه الأرقام على كفاءة توظيفها داخل سلاسل إنتاج متكاملة، وعلى مدى قدرتها على دعم الصناعات المرتبطة بها، ورفع الإنتاجيَّة، وتعزيز القدرة التنافسيَّة في الأسواق، بما يجعل الفارق بَيْنَ امتلاك الموارد وتعظيم عوائدها هو المُحدَّد الرئيس لمسار هذا القِطاع في المرحلة القادمة.
ولعلَّ البُعد الاستثماري يُمثِّل الحلقة الأكثر تأثيرًا في تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة، حيثُ تكشف الحوافز الَّتي تقدِّمها الوزارة من توفير الأراضي والتراخيص والتسهيلات التمويليَّة، والإعفاءات الضريبيَّة ودعم التقنيَّات الحديثة عن توَجُّه يستهدف بناء بيئة جاذبة قادرة على استقطاب رؤوس الأموال نَحْوَ قِطاع الأمن الغذائي، وهو ما يُعزِّز من فرص تطوير مشروعات إنتاجيَّة وصناعيَّة مرتبطة بالزراعة والثروة السمكيَّة والموارد المائيَّة، ويُسهم في رفع كفاءة التشغيل وتقليل التكاليف وتعظيم العوائد، ويمنح هذا القِطاع قدرةً أعلى على التحوُّل إلى مجال استثماري تنافسي يرتبط بحركة السُّوق ويستجيب لمتطلَّباته، بما يفتح المجال أمام نماذج أعمال جديدة تَقُوم على الابتكار والتكامل بَيْنَ الإنتاج والتصنيع والخدمات، ويُعزِّز من دَوْر القِطاع الخاصِّ كشريك رئيسٍ في بناء منظومة غذائيَّة مستدامة ذات مردود اقتصادي واضح.
إنَّ اكتمال هذه المنظومة يضع قِطاع الثروة الزراعيَّة والسمكيَّة وموارد المياه أمام دَوْر يتجاوز حدود الإنتاج إلى التأثير المباشر في معادلة السيادة الاقتصاديَّة، حيثُ يرتبط الأمن الغذائي بشكلٍ وثيق بالأمن المائي وبقدرة الدَّولة على إدارة مواردها بكفاءة تَضْمن الاستدامة والاستقرار، وهو ما يتجلَّى في البنية المائيَّة القائمة على التحلية والمعالجة، وفي توسيع قاعدة الإنتاج الزراعي والسمكي، إلى جانب توظيف الطاقات البشريَّة عَبْرَ مبادرات تمكين المرأة الريفيَّة الَّتي تُمثِّل إضافةً حقيقيَّة لمنظومة الإنتاج، ويُعزِّز هذا التكامل من قدرة الاقتصاد على تقليل الاعتماد على الخارج وبناء سلاسل إمداد أكثر استقرارًا، بما يمنح السُّوق مرونةً أعلى في مواجهة التقلُّبات العالميَّة، ويؤسِّس لمرحلةٍ تتشكَّل فيها قوَّة الاقتصاد من قدرته على تأمين احتياجاته الأساسيَّة، وتحويلها إلى أدوات تأثير تدعم حضوره في المشهد الاقتصادي الإقليمي والدّولي.