عزيزي القارئ.. نستكمل معك ما تبقى من هذا الموضوع والذي بدأناه خلال شهر رمضان.. وبالتسبيح نجّا الله سيدنا يونس (عليه السلام) وأخرجه من ظلماتٍ ثلاث: ظلمة بطن الحوت ـ ظلمة البحر ـ ظلمة الليل وقال تعالى:(فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)، وقال تعالى:(وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، وذكر الغزالي في كتابه: أن من الصحابة من ورده في اليوم اثنتي عشرة ألف تسبيحة وقال وكان فيهم من ورده ثلاثون ألفًا.
ويقول الإمام الشافعي، كما في (حلية الأولياء):(لَمْ أَرَ أَنْفَعَ لِلْوَبَاءِ مِنَ التَّسْبِيح)، فيا أخي تفكّر وتمعّن وتدّبر أن كل ما في الكون يسبّح فلا تستهين بتسبيحة واحدة في الرخاء فهي من التفريج والنجاة في أوقات الشدة، فالتسبيح علاج فعال لكثرة الهموم والأحزان والأمراض.
وعندما تتوجه إلى بيوت الله (المساجد) صباحًا ومساء لا تغفل عن فضيلة التسبيح (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ، رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) (النور 36، 37)، وفي صباح ومساء كل يوم نكون من المسبحين (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ) (الروم ـ 17)، وفي السماء من إبداع الإلهي ـ جلّت قدرته ـ فسبّح (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (آل عمران ـ 191).
والتسبيح في الركوع والسجود (سبحان ربي العظيم وسبحان ربي الأعلى)، والتسبيح كذلك قبل شروق وغروب الشمس، قال الله تعالى:(وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ، وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُود)ِ) ق ـ 40)، وقال الله عزوجل:(فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) (طه ـ 140)، وهناك العديد من المواقف في التسبيح وهذا الأحاديث تبين ذلك، وعن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(لقيتُ إبراهيمَ ليلة أُسري بي، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غِراسَها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، وعن عبدالله بن عمرو ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(خَلَّتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، ألا وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل: يسبح الله في دبر كل صلاة عشرًا، ويحمده عشرًا، ويكبره عشرًا، قال: فأنا رأيت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعقدها بيده، قال: فتلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، وإذا أخذت مضجعك تسبحه وتكبره وتحمده مائة، فتلك مائة باللسان، وألف في الميزان، فأيّكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة؟ قالوا: فكيف لا نحصيها؟ قال: يأتي أحدكم الشيطان وهو في صلاته، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا، حتى ينفتل، فلعله ألا يفعل، ويأتيه وهو في مضجعه، فلا يزال ينوِّمه حتى ينام).
إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
كاتب عماني