.. وأنّ المسارعة تقتضي ـ من غير شك ـ السرعة، والحث على المسارعة إلى الأعمال الحسنة كاملة بأصنافها وأطيافها، وألوانها، وكل أنواعها دون استثناء، بدلًا من التباطؤ، والتكاسل، والارتكان إلى حياة الدعة والسكون، والنوم والملل، كما تشتمل كذلك على التشديد في أهمية تنفيذ الأمر، وكمال التحفيز للإسراع إليه، والعمل به، وجعله واقعًا معيشًا.
ففي الصيغة التي وضعت للمفاعلة طلب السرعة، والإلحاح باستعمال الفعل الأمر:(سارعوا) هو فعل جاء؛ ليفيد طلب التعجيل، ويُستخدم للمبالغة في الطلب، بخلاف فعل:(سابقوا) الذي يفيد المنافسة بين شخصين، أو أكثر، لكن:(سارعوا) قد يكون طلبًا من شخص واحد بالسرعة، والاجتهاد، كما أنه يبرز التعجيل منهم إلى المغفرة:(سارعوا إلى مغفرة)، وهي فضية تُفيد أن التوبة، والمغفرة هما الهدف الأسمى، والغاية الأسنى، وأنّ على الإنسان أن يُبادر إليها دون إبطاء؛ لأنها واجبة على كل مسلم، أما المسابقة فهي غالبًا ما تكون في أمور دنيوية، لا أخروية تنتظر العاقبة العاجلة، والأجر اللحظي، المادي، الٱني.
ومعلوم أن المغفرة هي غايتنا، وغاية كل مؤمن بربه، فالإشارة إلى أن المغفرة هي الغاية القصوى التي تسعى إليها، و(وسارعوا) هي الوسيلة لتحقيقها، وهو ما يُحفّز المؤمن على فعل الخيرات، وترك المعاصي.
وقوله:(وجنة عرضها السماوات والأرض) فهي الإشارة إلى الغاية النهائية، والعاقبة الأزلية: (وجنة عرضها السماوات والأرض) فهي تُبيّن أنّ المغفرة هي الغاية، وأنّ الجنة هي الثمرة النهائية، كما أنها عبارة تُشير إلى عظيم اتّساعها، وكبير حجمها الذي عرضه فقط السماوات، والأرض؛ وذلك لتشمل كل ما في الكون، من السماوات، والأرض.
ويأتي التكريم، وهو قوله تعالى:(أعدت للمتقين) فهي تُبين أن هذه الجنة مُعدة للمؤمنين الذين التزموا بأوامر الله، وهي أعلى درجات التكريم الإلهي، وأنّ الجنة هي الثمرة النهائية، وهي مخلوقة بالفعل، وموجودة قبل الحساب، ومعدة لأهلها، وناسها، ومن يستحقونها، ويعملون لها.
أما الاستعمال الثاني، وهو:(وسارعوا إلى) ففيه مفاعلة حقًّا، و(إلى) هنا تفيد انتهاء الغاية الزمانية أو المكانية، فغايتنا هي مغفرة الله ورحمته، فهي نهاية، وغاية الغايات، وآخر الخطوات، وعندها تنتهي الآمال، والرغبات، وتسكت النفس عن كل الطلبات، وترضى بعطاء رب الأرضين والسماوات.
وخلاصة الاستعمالين: أن (يسارع في) معناه: أن ينغمس بكليته، وينخرط فيه، ويمتزج به، ويصير ديدنا له، وهو من شدة إخلاصه، وحبه لعمل الخيرات ابتغاء وجه ربه، يتداخل بين الناس، ويزدحم معهم، ويخالطهم، حتى لا يكاد الرائي يراه من انظرافه، وغالبًا يكون هذا التعبير في القرٱن لمن قطع شوطًا كبيرًا في علاقته بربه، واتصاله بمولاه، وربط حياته ومصيره بعمل الخيرات على اتساع مفهومها، وتعدد معانيها، ودخولها في كل مناحي الحياة، يفعله ابتغاء مرضاة الله، وارتقاب عطاياه، وهو دائمًا في تنافس شريف، وسعي عفيف، ورجاء رضا رب كريم رحيم لطيف، وجنة عرضها فقط السموات والأرض أعدت للمتقين، الذين ارتقوا عند ربهم، وتعالوا على مطالب نفوسهم، وتركوا حظوظهم، وراحوا يشغلون أنفسهم بالله: طاعة ورضا، وعبادة، وعملًا، دونما كلال أو ملال، أو رياء، أو انتظار لمدح أو ثناء، قوم أخلصوا قلوبهم لربهم، فأخلصهم الله له، وصاروا عباده الأوفياء، وجنده الاتقياء، وأهله الأصفياء، بينما استعمال (وسارعوا إلى) فغالبًا ما يكون نصحًا لحديثي الإيمان، يحثهم على عمل البر، والصالح، وأن يضعوا مغفرة ربهم غاية لهم ينتهون عندها لا يبغون سواها.
فـ(إلى) لانتهاء الغاية: زمانية أو مكانية، ويجعلونها مقصدًا لهم، وهدفًا نبيلًا يعيشون له، ويسعون لتحقيقه؛ حتى يجدوا العاقبة المحمودة، والغاية المنشودة، وهي المغفرة وجنة عرضها كعرض السماوات والأرض كناية عن اتساعها، وعمقها، وضخامتها، وجلال مقامها، ورفعتها.
د.جمال عبدالعزيز أحمد
كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية