الخميس 02 أبريل 2026 م - 14 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

إذا قالت عُمان فَصَدِّقوها... فإنَّ القولَ ما قالت عُمان

إذا قالت عُمان فَصَدِّقوها... فإنَّ القولَ ما قالت عُمان
الأربعاء - 01 أبريل 2026 04:55 ص

د. سلطان بن خميس الخروصي

30


في مساحة ضيِّقة تتقاطع فيها خطوط التوتُّرات ودوائر الحسابات الكبرى، في عُمق رحم الحرب المستعرة في الإقليم إلى تشظِّي المفاوضات بَيْنَ إيران وأميركا والمغامرات الأيديولوجيَّة الصهيونيَّة المقيتة، تبرز سلطنة عُمان بوصفها صوتًا لا يهدر نشازًا ممَّن يحسبون صفوة الكتَّاب والمثقفين والمسؤولين بدول مجلس التعاون الخليجي، بل هو صوت يكتسب وزنه من الثقة التاريخيَّة الَّتي لم تكُنْ وليدة اللَّحظة، بل نتاج مسارٍ تاريخي طويل تعلَّمت فيه عُمان كيف تُدير الصراع بدلًا من أن تكُونَ جزءًا منه؛ ففي القرنيْنِ السابع عشر والثامن عشر واجهتِ البلاد محاولات نفوذ فارسيَّة مستفيدةً من اضطرابات داخليَّة، لكنَّها استطاعت، بقيادة رجال دولة حازمين مثل الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي، استعادة سيادتها وطرد التدخُّل الخارجي؛ فكان ذلك درسًا سياديًّا وقِيمة وطنيَّة عُليا بأنَّ الاستقلال لا يُمنح، بل يُنتزع، وأنَّ القوَّة ضروريَّة حين تُفرض المواجهة.

إلَّا أنَّ التاريخ ذاته أكسَبَ هذا الوطن وإنسانه الأصيل قناعة تاريخيَّة لا مناص منها؛ فليس كُلُّ مواجهة تُحسم بالسَّيف؛ لِنجدَ أنَّ العلاقة مع إيران في القرن التاسع عشر تحوَّلتْ من صراع مباشر إلى توازنٍ تحكمه التجارة والملاحة، ثم جاءت سبعينيَّات القرن العشرين لِتكشفَ مفارقةً لافتة؛ إذ أصبحتْ إيران ـ في عهد الشَّاه ـ حليفًا عسكريًّا لعُمان في مواجهة التمرُّد الشيوعي البغيض في ظفار؛ فلم يكُنْ ذلك انقلابًا في المبادئ والمفاهيم، بل إعادة هندستها وتعريف العدوِّ والحليف وبأنَّهما ليسا ثابتيْنِ، بل يتبدَّلان بتبدُّل السِّياق.

عَبْرَ هذا التَّراكُم التاريخي والمهارة السياسيَّة؛ تشكَّل النَّهج العُماني الحديث بانتقال واعٍ من «السِّيادة بالقوَّة» إلى «السِّيادة عَبْرَ التَّوازن»، فبدل الانخراط في محاور الاستقطاب، اختارت عُمان أن تكُونَ مساحةً للتهدئة وجسرًا للعبور، وهذا ما يفسِّر حضورها الهادئ والمؤثِّر في ملفَّات حسَّاسة رأس سنامها التَّفاوض النَّزيه بَيْنَ طهران وواشنطن؛ إذ أدَّتْ مسقط دَوْر الوسيط الَّذي يملك ما هو أثمن من النفوذ وهو المصداقيَّة.

وفي لحظةٍ إقليميَّة تتسارع فيها الأحداث، من اشتعال جبهات عسكريَّة إلى توتُّرات بحريَّة، تكتسب هذه المصداقيَّة قِيمة مضاعفة؛ فالممرَّات البحريَّة في مضيق هرمز ليست مجرَّد خطوط على الخريطة، بل هي شرايين الاقتصاد العالمي، وأيُّ خلَلٍ في خوارزميَّاتها المتناسقة يضرب الأسواق والطَّاقة العالميَّة في مقتل كما نلاحظه الآن. ومن هنا يُصبح خيار عُمان بالحفاظ على علاقة مستقرَّة مع إيران ـ دُونَ الانحياز لمحورٍ ضدَّ آخر ـ خيارًا استراتيجيًّا بامتياز؛ لأنَّها تمتلك الخبرة الحضاريَّة والتاريخيَّة بأنَّ الجغرافيا لا يُمكِن تغييرها، لكن يُمكِن إدارة تبعاتها بذكاء. وبتمعن في هذا المسار، نلحظ أنَّ ذلك الإدراك يتقاطع بوضوح مع أهداف رؤية «عُمان 2040»، الَّتي تضع الاستقرار الإقليمي في صُلب مشروعها التنموي؛ فالتنويع الاقتصادي، وتطوير الموانئ، وجذب الاستثمارات، كُلُّها رهينة بيئة آمِنة وممرَّات مفتوحة، ولذا لا تُفهم الدبلوماسيَّة العُمانيَّة كتَرفٍ سياسي، بل هي أداة اقتصاديَّة من الدرجة الأولى، والوساطة العُمانيَّة هنا ليست دَوْرًا رمزيًّا، بل رأس مال سياسي يُترجم إلى ثقة واستثمار.

وبقراءة فاحصة نشعر بأنَّ هذه السياسة الخارجيَّة تنعكس على الداخل العُماني بهندسة وحرفيَّة مُتقنة؛ حيثُ تراهن الدَّولة على فلسفة التعليم الوطنيَّة في مختلف مؤسَّساتها التربويَّة والتنشئة الاجتماعيَّة في تكوين مواطنٍ متَّزن يفهم التعقيد، ويُحسن قراءة المصالح، ويبتعد عن الأحكام المتشظِّية. من هنا نجد أنَّ محتوى المناهج التعليميَّة في سلطنة عُمان تميل إلى تعزيز قِيَم الحوار والتعايش، وإلى تقديم العالم بوصفه شبكة علاقات متداخلة لا معسكرات مغلقة، فتفتح آفاقًا نَحْوَ تعليم يؤسِّس لـ»العقل المركَّب» لا «العقل الثنائي»، وقد يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم السؤال المشروع: هل يُنتج هذا النموذج مواطنًا مرنًا وقادرًا على التفاوض؟ أم قد يضعف حدَّة الموقف حين تتطلب اللحظة صرامة؟ الجواب ليس بسيطًا؛ فالتجربة العُمانيَّة تُشير إلى أنَّ المرونة لا تعني التنازل، بل اختيار التوقيت والأداة، فحين كانت المواجهة ضرورة تاريخيَّة، لم تترددْ عُمان في خوضها، وحين أصبحتِ الكلفة أعلى من العائد، اختارتْ طريقًا آخر، إنَّها براجماتيَّة أخلاقيَّة تَقُوم على قاعدة مصلحة تُدار بحكمة، دُونَ التفريط في الثوابت.

وبالعودة إلى البيت الخليجي، تتضح المفارقة في المقاربة، فبَيْنَما تتبنَّى دولٌ أخرى سياسات ردعٍ ومواجهةٍ مباشرة تجاه إيران، تميل عُمان إلى الاحتواء وبناء القنوات؛ وذلك لا يعني اختلافًا في قراءة المخاطر بقدر ما هو اختلاف في أدوات إدارتها؛ فهناك مَن يسعى لتغيير موازين القوَّة عَبْرَ التحالفات الصُّلبة، وهناك مَن يعمل على تخفيف التوتُّر عَبْرَ الدبلوماسيَّة الهادئة. وفي عالمٍ متعدِّد الأقطاب، قد تكُونُ الحاجة إلى النوعيْنِ معًا، لكنَّ قِيمة النموذج العُماني تكمن في قدرته على العمل، حيثُ تعجز الأدوات الأخرى، وفي سياق المفاوضات الإيرانيَّة ـ الأميركيَّة، تبدو مسقط كمساحةٍ آمنة للاختبار والتقريب، فهي لا تحمل أجندة إقصاء، ولا تسعى إلى تسجيل نقاط إعلاميَّة، بل إلى تقليل فجوة الثقة ـ وهي أصعب الفجوات ـ في العُرف الدبلوماسي ومع كُلِّ جولة حوار، تتعزَّز القناعة لدى الأطراف بأنَّ هناك وسيطًا يُمكِن اللجوء إليه وهذا بحدِّ ذاته إنجاز في بيئةٍ تُعاني من تآكل الثقة. وفي ظلِّ الحرب العبثيَّة الجارية في المحيط، فإنَّ صوت عُمان الدَّاعي إلى التهدئة يكتسب معنى حضاريًّا وإنسانيًّا، فحين تتكاثر الخِطابات التصعيديَّة، يُصبح الهدوء موقفًا لا غيابًا للموقف، وعندما تُغلق الأبواب، يُصبح إبقاؤها فضيلة سياسيَّة، فتلك فلسفة جعلتْ من عُمان لاعبًا صغيرًا بالحجم، كبيرًا بالأثر.

وختامًا «إذا قالتْ عُمان فَصدِّقوها» ليس مجرَّد مجازٍ بلاغي، بل توصيفٌ لِدَوْر بُني عَبْرَ الزمن، وهي خلاصة تجربة دولةٍ فهمتْ أنَّ الجغرافيا قد تفرض التحدِّيات، لكن كيفيَّة التعامل معها هي ما يصنع الفارق، وبَيْنَ القوَّة الصُّلبة والقوَّة الناعمة، اختارت عُمان أن تمزجَ بَيْنَهما بميزانٍ دقيق، فتحمي مصالحها وتُسهم في استقرار محيطها، فحين تتحدث عُمان في زمن الأزمات، فإنَّها لا تنطق من فراغ، بل من تاريخٍ وتجربةٍ ورؤية.

د. سلطان بن خميس الخروصي

كاتب وباحث عماني

[email protected]