الخميس 02 أبريل 2026 م - 14 شوال 1447 هـ
أخبار عاجلة

العوامل الذكية لتنوع الاقتصاد

العوامل الذكية لتنوع الاقتصاد
الأربعاء - 01 أبريل 2026 04:40 ص

جودة مرسي

20


تتعرض العديد من اقتصادات العالم إلى هزَّة مؤثِّرة نتيجة الزيادة في أسعار النفط وقلَّة المعروض بسبب الظروف الاستثنائيَّة الَّتي تتعرض لها المنطقة. ودائمًا ما يتمُّ البحث عن البدائل للصمود أمام الاضطرابات الدوليَّة (مثل الحروب، الأزمات الماليَّة، أو تقلُّبات أسعار الطَّاقة) والَّتي تعتمد على مجموعة من العوامل والسياسات الذكيَّة. الَّتي تعتمد على المرونة الاقتصاديَّة، أي قدرة الاقتصاد على امتصاص الصَّدمات والتعافي بسرعة، ومنها تنويع الاقتصاد الَّذي يعتمد على قِطاع واحد (مثل النفط أو السياحة) والَّذي قد يكُونُ أكثر عرضة للأزمات. أمَّا إذا كان الاقتصاد متنوعًا (صناعة، زراعة، خدمات، تكنولوجيا) فإنَّ الأزمة في قِطاع لا تُسقط الاقتصاد كُلَّه، هذا بالإضافة إلى وجود احتياطات ماليَّة قويَّة من العملة الصَّعبة أو صناديق سياديَّة تستطيع دعم العملة وتمويل الواردات وحماية الاقتصاد وقت الأزمات، مع اتِّباع سياسات ماليَّة ونقديَّة مَرِنة مثل خفض أو رفع الفائدة عَبْرَ البنك المركزي، وزيادة الإنفاق الحكومي وقت الركود، وتقليل الضرائب لتحفيز النشاط الاقتصادي؛ هذه الأدوات تساعد على تخفيف أثَر الصَّدمات، مع عامل مُهمٍّ يتمثل في تقوية الإنتاج المحلِّي؛ لأنَّه كُلَّما كانتِ الدَّولة تنتج غذاءها واحتياجاتها الأساسيَّة محليًّا، يقلُّ تأثُّرها بالأزمات العالميَّة (مثل انقِطاع سلاسل الإمداد) بالإضافة إلى الانفتاح المدروس على التجارة الدوليَّة؛ لأنَّ الاعتماد الكامل على الخارج خطر، وأيضًا الانغلاق يضر. إذًا الحلُّ هو التوازن، مع تنويع الشركاء التجاريين وعدم الاعتماد على مصدر واحد من دولة واحدة. كما أنَّ الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار يجعل السياسات الاقتصاديَّة أكثر قدرة ومرونة على التكيُّف باتِّخاذ أساليب تلائم الحدث مثل العمل عن بُعد، وبثّ وتشجيع النشاط في التجارة الإلكترونيَّة.

كُلُّ هذه العوامل ـ بالإضافة إلى عامل الاستقرار السياسي مع القوانين الجاذبة للاستثمار ولو خلال أوقات الأزمات ـ تساعد في ضخِّ عملات أجنبيَّة أكثر وتساعد على توفير فرص للعمل أكثر، مع توافر شبكات الضَّمان الاجتماعي مثل الدَّعم الحكومي والتأمين ضدَّ البطالة، وهذه الأمور تحافظ على دَوران الاقتصاد، فهو لا يصمد بالصدفة، بل عَبْرَ التخطيط المسبق عن طريق (تنويع، احتياطات، سياسات ذكيَّة، وإدارة أزمات فعَّالة).

وبتطبيق هذه العوامل على الاقتصاد في سلطنة عُمان، نجد أنَّ كُلَّ هذه الاحترازات والترتيبات موجودة مسبقًا بالفعل بفضل الرؤية الاقتصاديَّة الحديثة الَّتي تتبعها السَّلطنة من تنويع الاقتصاد منذ أطلقت خطَّة رؤية «عُمان 2040» لتقليلِ الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل. واتَّخذتْ ـ في سبيل ذلك ـ العديد من الإجراءات الناجحة إلى جانب عنصر الأمن الَّذي تبحث عنه روافد الاقتصاد، فإنَّ السلطنة قامتْ بتسهيل القوانين لجذب المستثمرين والشركات الأجنبيَّة، وإنشاء مناطق اقتصاديَّة خاصَّة داعمة للاقتصاد لخلقِ وظائف وزيادة النشاط الاقتصادي، بالإضافة إلى التركيز على قِطاعات السياحة، اللوجستيَّات (الموانئ والنقل)، التعدين، الصناعات التحويليَّة، ممَّا يساعد على الصمود إذا انخفضتْ أسعار النفط، بالإضافة إلى حُسن إدارة الموارد الماليَّة في العمل على تقليل العجز المالي بضبط الإنفاق الحكومي، وتحسين الإيرادات غير النفطيَّة (الضرائب والرسوم) بالإضافة إلى الدَّوْر الكبير الَّذي يَقُوم به البنك المركزي العُماني في الحفاظ على استقرار العملة والنظام المالي، كما وأنَّ الاقتصاد العُماني يُعزِّزه الاستثمار الدَّائم في البنية الأساسيَّة وتطويرها كما يحدُث في الموانئ. وتُعَدُّ سلطنة عُمان مركزًا لوجستيًّا عالميًّا بفضل موانئها الاستراتيجيَّة الَّتي تربط الشرق بالغرب، وأهمُّها ميناء صحار (العملاق الصناعي)، ميناء صلالة (محور الحاويات الدّولي)، وميناء الدُّقم (الواعد في التكرير والصناعات)، إضافة إلى ميناء السُّلطان قابوس السياحي وميناء خصب لتنشيط التبادل التجاري عَبْرَ الخليج، ساعد ذلك بتمتُّع سلطنة عُمان بشبكة طُرق حديثة تصنَّف ضِمن الأفضل عالميًّا، كُلُّ هذه العوامل كانت رافدًا مُهمًّا لتنوُّع الاقتصاد يجعل سلطنة عُمان مركزًا لوجستيًّا مهمًّا في المنطقة.

كما شهد الإنتاج المحلِّي تطوُّرًا ملحوظًا، خصوصًا في الأمن الغذائي، الزراعة، والصيد البحري، بعد أن تمَّ وضع السياسات الاقتصاديَّة الَّتي أسْهمَتْ في تنمية هذه القِطاعات، فكانت مصدرًا مُهمًّا للدَّخل القومي من جهة، ومن جهة أخرى قلَّلتْ من الاعتماد على الاستيراد في أوقات الأزمات العالميَّة والمحافظة على العملة الصَّعبة. ممَّا جعل سلطنة عُمان نموذجًا جيِّدًا في الاعتماد على التنوُّع الاقتصادي بمرونة أكثر، بدلًا من اقتصاد يعتمد على مورد واحد.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن»